اسحق ساكا : سيرة نورٍ في محراب السريان

محمد علي محيي الدين

في بلدة برطلة، حيث تتنفس الأرض عبق التاريخ السرياني، وُلد عام 1931 طفلٌ قُدّر له أن يكون واحدًا من أعمدة الكنيسة السريانية ووجوهها العلمية المضيئة، هو المطران مار سويريوس اسحق ساكا. هناك، في تلك البيئة المشبعة بالإيمان والبساطة، أنهى دراسته الابتدائية عام 1947، وكان منذ صباه ميّالًا إلى المعرفة، متجهًا بقلبه وعقله نحو طريق الكهنوت والعلم.
دخل المدرسة الإكليريكية الأفرامية في الموصل، حيث تلقّى علومه بين عامي 1946 و1952، فنهل من ينابيع اللغة السريانية واللاهوت، وتشكلت ملامح شخصيته العلمية والروحية. وما إن تخرج حتى عاد إلى ذات المدرسة معلّمًا بين عامي 1953 و1955، وكأنما أراد أن يرد بعضًا من جميل ما تلقّاه، وأن يواصل حمل الشعلة التي أضاءت دربه.
في عام 1961، اتشح بالإسكيم الرهباني، ونال الدرجة الكهنوتية بوضع يد المطران طيمثاوس يعقوب في دير مار متى، ذلك الدير العريق الذي سيبقى حاضرًا في حياته، مكانًا ورسالةً وانتماءً. ولم تمضِ سوى سنوات قليلة حتى قُلّد الصليب المقدس سنة 1963 من قبل البطريرك يعقوب الثالث، تقديرًا لالتزامه ونبوغه، ثم عُيّن مديرًا للإكليريكية في زحلة عام 1965، حيث أدارها حتى عام 1968 بروح تربوية رصينة، جمعت بين الانضباط والعلم.

وفي عام 1969، أُرسل قاصدًا رسوليًا إلى الهند، في مهمة روحية حمل فيها رسالة الكنيسة إلى آفاق بعيدة، غير أن ظروفه الصحية حالت دون استمراره، فعاد إلى العراق، لا منكفئًا، بل أكثر إصرارًا على الخدمة، ليباشر عمله بين أبناء بلدته ومحيطه، خادمًا للنفوس، ومصلحًا في شؤون الكنيسة. وفي عام 1971، عُيّن نائبًا بطريركيًا على أبرشية دير مار متى، فكرّس جهده لإصلاح الدير وترميمه، والنهوض بأبرشيته الواسعة، في عمل دؤوب يعكس روح الراعي الحقيقي.
رافق البطريرك مار أغناطيوس زكا الأول إلى دمشق عام 1980، وهناك رُسم مطرانًا نائبًا بطريركيًا عام 1981، وظل في هذا المنصب حتى عام 1990، مؤديًا دوره بروح المسؤولية، جامعًا بين الحكمة الإدارية والرؤية الروحية. ولم ينقطع عن التعليم، إذ عُيّن أستاذًا للعلوم السريانية واللاهوتية في الدير الكهنوتي بالموصل، فكان معلمًا للأجيال، ومرجعًا في علومه.
وفي سنواته الأخيرة، تفرغ للكتابة والتأليف، فكان قلمه امتدادًا لرسالته، وصوته العلمي شاهدًا على عمق تجربته. شغل منصب النائب البطريركي للدراسات السريانية العليا، وترك إرثًا علميًا غنيًا، يضم عشرات المؤلفات ومئات المقالات، توزعت على مجالات اللاهوت والتاريخ والدراسات السريانية. من بين مؤلفاته التي تشهد على سعة علمه وعمق رؤيته: التعاليم الدينية التاريخية، والإله المتجسد، وتفسير القداس السرياني الذي صدر في ثلاث طبعات، والأسرار السبعة بالاشتراك مع البطريرك زكا عيواص، فضلًا عن تاريخ دير مار متى، والسريان إيمان وحضارة في خمسة أجزاء، والكتاب المقدس في الكنيسة السريانية الأنطاكية، وشمعة السريان، وكنيستي السريانية، ودراسات سريانية، وصوت نينوى وآرام، إضافة إلى ديوانه الشعري نوصروتو الذي جمع بين السريانية والعربية، فكان تعبيرًا عن روحه الأدبية كما كان عن إيمانه العميق.
لقد كان رجل علم وأدب، ورجل عمل وإصلاح، جمع بين دقة الباحث ونزاهة المحقق، وبين روح الراهب وحنان الراعي. لم تكن كتاباته مجرد نصوص جامدة، بل كانت امتدادًا لالتزامه، وشهادة حيّة على حضارة السريان وإيمانهم، وعلى دورهم في إثراء التراث الإنساني.
وفي التاسع عشر من كانون الأول عام 2011، وبعد صراع طويل مع المرض، رحل المطران مار سويريوس اسحق ساكا، تاركًا وراءه تاريخًا من العطاء والمحبة، وسيرةً تنبض بالإيمان والعمل. شُيّع في كنيسة برطلة، ووري جثمانه في دير مار متى الناسك، حيث بدأت رحلته الروحية، وكأن الدائرة اكتملت، فعاد إلى المكان الذي شهد نذره الأول، ليبقى اسمه محفورًا في ذاكرة الكنيسة السريانية، وفي وجدان كل من عرفه أو نهل من علمه.
هكذا تنطفئ الشموع الكبيرة في صمت، لكنها تترك نورها ممتدًا في القلوب، لا يزول.

قد يعجبك ايضا