محمد علي محيي الدين
يُعدّ الدكتور احسان فؤاد واحداً من أبرز الوجوه الثقافية والأكاديمية التي أسهمت في إثراء الحياة الفكرية الكردية خلال النصف الثاني من القرن العشرين. فقد جمع في شخصيته بين صفات الشاعر الرقيق، والأستاذ الجامعي المتمكن، والمثقف الوطني الذي ظلّ منحازاً لقضايا شعبه وثقافته حتى آخر أيام حياته. وُلد في مدينة السليمانية عام 1935، وتلقى تعليمه العالي حتى نال درجة الدكتوراه في الأدب الكردي من الاتحاد السوفيتي السابق، قبل أن يعود إلى العراق حاملاً مشروعاً ثقافياً وتربوياً ترك أثره في أجيال متعاقبة من الطلبة والمثقفين.
لم يكن أحسان فؤاد من أولئك الذين يقاس حضورهم بغزارة ما كتبوا أو نشروا، بل كان من الشخصيات التي يتجاوز تأثيرها حدود الكتب والدواوين إلى صناعة العقول وتكوين الأجيال. امتلك حضوراً آسراً وهيبة علمية محببة، وكان قادراً على أن يترك أثراً عميقاً في نفوس من عرفوه أو تتلمذوا على يديه. ولهذا بقي اسمه حياً في ذاكرة تلامذته وزملائه بوصفه أستاذاً ملهماً ومربياً كبيراً قبل أن يكون شاعراً وأكاديمياً.
عرفه المقربون إنساناً حالماً وشفاف الروح، مؤمناً بالقيم الإنسانية والثقافية إيماناً صادقاً لا تشوبه المساومات. كان رقيق الإحساس إلى درجة تهتز معها روحه لكل قصيدة جميلة أو لحن عذب، غير أن هذا الشاعر الهادئ كان يتحول عند الضرورة إلى رجل موقف، صلب الإرادة، لا يتردد في الدفاع عما يؤمن به من حقوق وقضايا وطنية وقومية.
في مطلع ستينيات القرن الماضي، حين كانت أفواج الطلبة العراقيين تتوافد إلى الجامعات السوفيتية، برز دوره بين الطلبة الكرد الذين كانوا يسعون إلى تنظيم نشاطهم الثقافي والوطني. وما إن وصل إلى الاتحاد السوفيتي ضمن مجموعة من طلبة الدكتوراه الكرد حتى شارك بفاعلية في الجهود الرامية إلى تأسيس فرع لجمعية الطلبة الكرد في أوروبا. وقد جاء ذلك في أجواء سياسية معقدة كانت تشهد هيمنة التيارات اليسارية على الأوساط الطلابية العراقية، الأمر الذي جعل مهمة تأسيس كيان مستقل للطلبة الكرد محفوفة بالصعوبات والاعتراضات.
ورغم تلك التحديات، لعب احسان فؤاد دوراً محورياً في إنجاح المشروع، مستنداً إلى شخصيته المؤثرة وإيمانه العميق بأهمية العمل الثقافي المنظم. وسرعان ما أصبح الفرع الجديد جسراً يربط الطلبة الكرد في الاتحاد السوفيتي بالحركة الثقافية والقومية الكردية في أوروبا، حيث كانت تصل عبره النشرات والدوريات التي تنقل أخبار كردستان وتوثق جوانب النضال الكردي وتطوره.

وبعد سنوات الدراسة والبحث العلمي، عاد إلى العراق ليبدأ مرحلة جديدة من العطاء الفكري والثقافي. عمل أستاذاً للغة والأدب الكرديين في كلية الآداب بجامعة بغداد، ثم تولى رئاسة القسم الكردي فيها، وأسهم في ترسيخ الدراسات الكردية أكاديمياً خلال مرحلة كانت الحاجة فيها كبيرة إلى الكفاءات العلمية المتخصصة.
وشهدت تلك السنوات ازدهاراً ملحوظاً في نشاطه الإبداعي. فأصدر مجموعته الشعرية الأولى «الوردة البرية» التي عكست حساسيته الشعرية ورؤيته الإنسانية والوطنية، كما اهتم بإحياء التراث الأدبي الكردي وتحقيق نصوصه، فقام بتحقيق رواية «مسألة ضمير» للشاعر أحمد مختار جاف، وهي من الأعمال التي يرى بعض النقاد أنها تمثل إحدى البدايات المبكرة لفن الرواية الكردية الحديثة. والمثير للإعجاب أن هذه الأعمال صدرت على نفقته الخاصة، في دلالة واضحة على إخلاصه للثقافة وإيمانه برسالتها.
ولم يقتصر نشاطه على الجامعة والبحث الأكاديمي، بل كان حاضراً في وسائل الإعلام الثقافية، إذ اعتاد تقديم أحاديث أسبوعية عبر القسم الكردي في إذاعة بغداد، متناولاً قضايا الأدب والفكر والتاريخ والثقافة الكردية بأسلوب يجمع بين العمق والوضوح.
وكان من الشخصيات التي أسهمت بفاعلية في تأسيس اتحاد الأدباء الكرد قبيل صدور بيان الحادي عشر من آذار عام 1970، وهو الاتحاد الذي لعب دوراً مهماً في تنشيط الحياة الثقافية الكردية عبر المؤتمرات والندوات والمهرجانات الأدبية التي شهدتها مدن كردستان والعاصمة بغداد في تلك المرحلة.
وفي عام 1973 تسلم منصب المدير العام للثقافة الكردية، فبذل جهوداً كبيرة لاستقطاب نخبة المثقفين والأدباء والفنانين الكرد للعمل في المؤسسات الثقافية. ومن أبرز إنجازاته في تلك الفترة إصدار صحيفة «روشنبيري نوي» (المثقف الجديد)، التي سرعان ما تحولت إلى منبر ثقافي بارز استقطب الأقلام الكردية المبدعة من مختلف مناطق كردستان. وقد امتازت الصحيفة برصانتها الفكرية وتنوع موادها الثقافية والأدبية، مما جعلها واحدة من أهم الإصدارات الثقافية الكردية آنذاك.
وكان أحسان فؤاد مولعاً بالشعر الكردي الكلاسيكي والحديث، كثير الحديث عن رموزه الكبار، ولا سيما الشاعر حاجي قادر كويي الذي اختاره موضوعاً لأطروحته الجامعية.
وكان يرى فيه واحداً من أبرز الأصوات التي جسدت الوعي القومي الكردي في الشعر، ويؤكد دائماً أن حضوره في الوجدان الكردي يتجاوز حدود الإبداع الأدبي إلى كونه رمزاً من رموز النهضة الفكرية والقومية.
ومن أكثر المحطات التي كشفت عن شجاعته وإيمانه العميق بثقافته، جهوده الكبيرة في إقامة المهرجان الثقافي الكردي الأول في بغداد عام 1974. فقد جاء المهرجان في ظرف سياسي شديد الحساسية، بينما كانت العلاقات بين القيادة الكردية والسلطة المركزية تتجه نحو مزيد من التأزم. ومع ذلك أصرّ على أن يكون المهرجان احتفالاً حقيقياً بالهوية الكردية وتراثها الحضاري.
شهدت بغداد آنذاك حدثاً ثقافياً استثنائياً؛ فقد احتضنت عروضاً مسرحية وموسيقية وغنائية ومعارض للفنون التشكيلية شارك فيها أبرز المبدعين الكرد، ووجد الجمهور البغدادي نفسه أمام صورة مشرقة وغنية للثقافة الكردية في أبعادها المختلفة. ولم يكن المهرجان مجرد فعالية فنية، بل كان رسالة ثقافية ووطنية تؤكد عمق الحضور الكردي في المشهد الحضاري العراقي.
وفي افتتاح المهرجان ألقى أحسان فؤاد كلمة اتسمت بالرصانة والثقة والاعتزاز بالهوية الكردية، مستعرضاً صفحات من التاريخ الثقافي والفني لشعبه بلغة جمعت بين المعرفة والوجدان. وقد عُدّت تلك الكلمة في حينها موقفاً شجاعاً بالنظر إلى طبيعة المرحلة والظروف السياسية المتوترة التي كانت تمر بها البلاد.
ولم تمض فترة طويلة على انتهاء المهرجان حتى أُحيل إلى التقاعد، في خطوة رآها كثيرون نتيجة لمواقفه الثقافية والوطنية الجريئة. غير أن ذلك لم ينتقص من مكانته، بل زادها رسوخاً في ذاكرة من عرفوه، إذ بقي مثالاً للمثقف الذي يدفع ثمن تمسكه بقناعاته دون أن يتخلى عنها.
رحل الدكتور أحسان فؤاد عام 2008، لكن أثره ظل حاضراً في الذاكرة الثقافية الكردية والعراقية. فقد ترك وراءه إرثاً يتجاوز ما نشره من كتب وقصائد، ويتمثل في الأجيال التي علمها، والمؤسسات الثقافية التي أسهم في بنائها، والقيم التي دافع عنها طوال حياته. وهكذا بقي اسمه مقترناً بصورة الشاعر الحالم، والأستاذ المربي، والمثقف الوطني الذي آمن بأن الثقافة ليست زينة للحياة، بل إحدى أدوات الدفاع عن الهوية والكرامة والحرية.