من عيوب الديمقراطية.. تُجبرك على الاستماع إلى رأي الأحمق!

د. نورالدين خوشناو

تُنسب هذه العبارة إلى الكاتب الإيرلندي الشهير جورج برنارد شو، وهي من أكثر العبارات التي تُستخدم في نقد الديمقراطية الحديثة. ورغم ما تحمله من قسوة واستفزاز، فإنها تطرح سؤالًا فلسفيًا وسياسيًا عميقًا: هل يمكن للديمقراطية أن تتحول أحيانًا إلى منصة تمنح الجهل والتطرف والشعبوية المساحة نفسها التي تمنحها للعلم والخبرة والعقلانية؟

الديمقراطية، في جوهرها، تقوم على مبدأ المساواة السياسية بين المواطنين. فصوت الأستاذ الجامعي يساوي صوت العامل، وصوت العالم يساوي صوت الشخص غير المتعلم. هذه المساواة هي أحد أعظم إنجازات الفكر السياسي الحديث، لكنها في الوقت نفسه تفتح الباب أمام مفارقة معقدة: فليست كل الآراء متساوية في القيمة المعرفية، وإن كانت متساوية في الحق القانوني بالتعبير.

لقد شهد العالم خلال العقود الأخيرة العديد من الأمثلة التي أظهرت كيف يمكن للرأي الشعبوي أن يؤثر في مصير دول وشعوب بأكملها. ففي الولايات المتحدة، برزت ظاهرة الاستقطاب السياسي الحاد، وأصبحت وسائل التواصل الاجتماعي قادرة على نشر المعلومات المضللة بسرعة تفوق قدرة المؤسسات العلمية والإعلامية على تصحيحها. وأصبح الجدل السياسي في كثير من الأحيان قائمًا على العواطف والانطباعات أكثر من اعتماده على الحقائق والدراسات.

وفي أوروبا، شهدت العديد من الدول صعود أحزاب شعبوية بنت جزءًا من خطابها على إثارة المخاوف والهواجس المرتبطة بالهجرة والهوية الوطنية والعولمة. وفي بعض الحالات، تحولت النقاشات العامة من حوارات عقلانية حول السياسات إلى صراعات قائمة على الشعارات المبسطة التي يسهل تداولها لكنها لا تقدم حلولًا حقيقية للمشكلات المعقدة.

أما في الشرق الأوسط، فتبدو الصورة أكثر تعقيدًا. فالمشكلة لا تكمن فقط في ضعف الثقافة الديمقراطية في بعض المجتمعات، بل أيضًا في انتشار الخطابات الطائفية والعرقية والشخصية التي تجعل النقاش العام أسيرًا للانتماءات الضيقة بدلًا من المصالح الوطنية العامة. وغالبًا ما نجد أن بعض الشخصيات الأكثر صخبًا وتأثيرًا في الفضاء العام ليست بالضرورة الأكثر علمًا أو خبرة، بل الأكثر قدرة على إثارة المشاعر وتحريك الجماهير.

وفي العراق وسوريا ولبنان وغيرها من دول المنطقة، يمكن ملاحظة كيف تؤثر الخطابات الشعبوية أو الطائفية أحيانًا في تشكيل الرأي العام والقرارات السياسية، حتى عندما تتعارض مع المصالح الاقتصادية أو الاستقرار الاجتماعي. وفي مثل هذه الحالات، تصبح الديمقراطية معرضة لخطر التحول من أداة لبناء التوافق إلى وسيلة لتكريس الانقسام.

لكن من المهم التأكيد على أن المشكلة ليست في الديمقراطية نفسها، بل في البيئة التي تعمل فيها. فالديمقراطية تحتاج إلى تعليم جيد، وإعلام مهني مستقل، ومؤسسات قوية، وثقافة تحترم الحوار والنقد والتفكير العقلاني. فكلما ارتفع مستوى الوعي المجتمعي، تراجعت قدرة الجهل والشعبوية على التأثير في القرارات العامة.

ولهذا السبب، فإن الحل لا يكمن في تقييد حرية التعبير أو حرمان الناس من حق المشاركة السياسية، بل في الاستثمار في التعليم والمعرفة وتعزيز التفكير النقدي. فالديمقراطية ليست نظامًا مثاليًا، لكنها تظل أفضل من معظم البدائل التي عرفها التاريخ. وكما قال ونستون تشرشل: ((الديمقراطية هي أسوأ نظام للحكم، باستثناء جميع الأنظمة الأخرى التي جُرِّبت من وقت لآخر)).

إن عبارة برنارد شو لا ينبغي أن تُفهم بوصفها دعوة للاحتقار أو الإقصاء، بل كتذكير بأن الحرية السياسية تحمل دائمًا مسؤولية أخلاقية وفكرية. ففي الديمقراطية، يحق للجميع أن يتحدثوا، لكن مستقبل الأوطان يتوقف على قدرة المجتمعات على التمييز بين الرأي القائم على المعرفة والرأي القائم على الجهل أو التضليل

ومن الأمثلة اللافتة في الشرق الأوسط الحالة العراقية بعد عام 2003. فالعراق يعتمد نظامًا ديمقراطيًا يقوم على الانتخابات والتعددية الحزبية، إلا أن نتائج الانتخابات لا تؤدي دائمًا بشكل مباشر إلى اختيار رئيس الوزراء أو رئيس الجمهورية وفقًا لما تعكسه صناديق الاقتراع. ففي كثير من الأحيان، تكون المفاوضات السياسية والتوافقات بين الأحزاب والكتل هي العامل الحاسم في تشكيل الحكومة واختيار الرئاسات، حتى لو حصلت بعض القوائم أو الأحزاب على العدد الأكبر من الأصوات

هذا الواقع يطرح إشكالية حقيقية تتعلق بالعلاقة بين الإرادة الشعبية والتسويات السياسية. فمن جهة، تحتاج المجتمعات المتعددة القوميات والطوائف إلى الحوار والتوافق لتجنب الصراعات وحماية الاستقرار. ومن جهة أخرى، يشعر كثير من الناخبين بالإحباط عندما يكتشفون أن نتائج الانتخابات لا تنعكس بصورة مباشرة على تشكيل السلطة، وأن المفاوضات خلف الأبواب المغلقة قد تكون أكثر تأثيرًا من أصوات ملايين المواطنين

ولا تقتصر هذه الظاهرة على العراق وحده، بل يمكن ملاحظتها بدرجات مختلفة في عدد من الدول التي تعتمد أنظمة توافقية أو ائتلافية. غير أن التحدي الأكبر يكمن في تحقيق التوازن بين ضرورة التوافق السياسي واحترام إرادة الناخبين. فكلما اتسعت الفجوة بين نتائج صناديق الاقتراع والقرارات النهائية المتعلقة بتقاسم السلطة، تراجعت ثقة المواطنين بالعملية الديمقراطية نفسها.

إن الديمقراطية لا تقتصر على إجراء الانتخابات فقط، بل تقوم أيضًا على احترام نتائجها وتعزيز شعور المواطن بأن صوته يحدث فرقًا حقيقيًا في صناعة القرار. وعندما يفقد الناس هذا الشعور، تزداد اللامبالاة السياسية وتتراجع المشاركة الشعبية، وهو ما يشكل خطرًا على مستقبل أي تجربة ديمقراطية مهما كانت نوايا القائمين عليها.

وفي النهاية، يبقى التحدي الحقيقي أمام أي نظام ديمقراطي هو كيفية حماية حق الجميع في التعبير، مع بناء مجتمع يقدّر العقل والعلم والخبرة، بحيث لا يصبح صوت الضجيج أعلى من صوت الحكمة

قد يعجبك ايضا