دلزار اسماعيل رسول
من الكتب التي قرأتها أكثر من مرة هو كتاب (تحفة العروس ومتعة النفوس)، وذلك لاستهوائي أمهات الكتب العربية منذ صغري، ففيها الكثير مما لا تجده في الكتب الحديثة، من معلومات شيقة وعلوم تثير فيك العجب عن كيفية الحصول عليها في زمانهم رغم قلة الوسائل الممكنة لذلك. أيضا اللغة المستخدمة فيها والكلمات الرصينة التي يستلزم منك الوقوف عليها مرارا وتكرارا، لاستنباط المعاني الدفينة فيها…
فحين وقوفي بين رفوف المكتبة العربية العريقة، برز كتاب “تحفة العروس ومتعة النفوس” لأبي عبد الله محمد التجاني كأيقونة فريدة، لم تقف عند حدود الفقه والتشريع، بل تجاوزتها لتكون وثيقة اجتماعية وأدبية ترسم ملامح الأسرة في أبهى صورها. هذا الكتاب، الذي خطّه يراع التجاني في القرن الثامن الهجري، لا يزال حتى يومنا هذا نابضاً بالحياة، قادراً على منح قارئه مزيجاً ساحراً بين الحكمة الرفيعة والمتعة الذهنية.
إن العبقرية التي تجلت في “تحفة العروس” تكمن في قدرة المؤلف على تحويل “عقد الزواج” من مجرد اتفاق قانوني أو شرعي إلى رحلة إنسانية محفوفة بالشعر والجمال. لم يكن التجاني مجرد فقيه يسرد الأحكام، بل كان أديباً يدرك أن استقامة البيوت لا تقوم على النص الجاف وحده، بل على المودة التي يُغذيها الأدب، والرحمة التي يُجملها البيان.
ينتقل بنا الكتاب في رحلة تبدأ من اختيار الشريك، مروراً بآداب الخطبة، وصولاً إلى أدق تفاصيل العشرة الزوجية. لكن ما يميز هذا المؤلف هو استشهاده الغزير بالشعر العربي ونوادر العرب وأخبار العشاق والصلحاء. فكل حكم فقهي يسوقه التجاني، يتبعه ببيت شعر رقيق أو قصة تاريخية ملهمة، مما يجعل القارئ يشعر وكأنه في مجلس أدبي رفيع، لا في قاعة تدريس جامدة.
ربما يسأل سائل: ما الذي يقدمه كتاب من ذلك العصر القديم للقارئ المعاصر؟ والإجابة تكمن في “الجوهر الإنساني”. فقيم الوفاء، وحسن الخلق، والتقدير المتبادل بين الزوجين التي ركز عليها التجاني، هي قيم عابرة للزمان والمكان. الكتاب يذكّرنا بأن لغة الحوار والجمال كانت دائماً هي المفتاح الذهبي لاستقرار المجتمعات.
إن “تحفة العروس ومتعة النفوس” ليس مجرد كتاب يُقرأ، بل هو مرآة تعكس رقياً فكرياً في التعامل مع أسمى الروابط الإنسانية. هو دعوة للقارئ المعاصر ليعيد اكتشاف كنوز تراثه، لا ليعيش في الماضي، بل ليستقي منه روح المحبة والاتزان التي يحتاجها بيتنا المعاصر في ظل ضجيج الحياة المادية المتسارعة.
إنه باختصار.. تحفةٌ للعقل، ومتعةٌ للروح!