حارس الرماد الأخير

الشاعر سرحان محمد علي الكاكئي

في زَمَنِ المَرايا الكاذِبَة..

حينَ تَمشي الوُجوهُ في زِحامِ العابرين

وتَسقُطُ الأقنِعَةُ عندَ أولِ مُنعَطَفٍ للريح
أقِفُ أنا..

كَنخلةٍ عِراقيةٍ قديمة

تَعرفُ أنَّ الجُذورَ أصدَقُ من الثَّمَر.

الوفاءُ يا صاحبي..

ليسَ كَلِمَةً تُقالُ في نَخبِ المَساء

ولا وَعداً يُكتَبُ على رَملِ الشواطئ

الوفاءُ هوَ أن تَكونَ الظِّلَّ

حينَ يَحرِقُ الهجيرُ جِلدَ مَن تُحِب

وهوَ أن تَبقى نَشيداً عالقاً في الحُنجُرَة

حتى حينَ يَخرَسُ الكونُ كُلُّه.

يا مَن تَسألُ عن مَعنى البقاء..

الوفاءُ هوَ ذلكَ الخَيطُ السِّرِّي

الذي يَربِطُ بَينَ دَمعَةِ الرَّحيلِ وضِحكَةِ اللقاء

هو أن تَمشي في نَفَقِ العُمرِ المُعتِم

وتَحمِلَ مِصباحَكَ لِغيرِك

دونَ أن تَنتَظِرَ شُكراً.. أو دُعاء.

هوَ نَبضُ الطّينِ للأرضِ بَعدَ الجَفاف

هوَ صَمتُ الجِبالِ أمامَ عَصِيفِ العَواصِف

أنا الوفيُّ لِجُرحي.. قَبلَ فَرَحي

لِذِكرياتي.. قَبلَ أحلامي

لأنَّ الوفاءَ لا يُباعُ في سُوقِ النَّخاسَة

ولا يُشتَرى بـِـذَهبِ السلاطين.

إنَّه مِيثاقُ الروحِ معَ الروح

حينَ تَغيبُ الأجسادُ.. وتَبقى المَواقفُ تَتحدث

كأنَّها نَقشٌ سُومريٌّ على لَوحِ الخُلود

لا يَمحوهُ مَطرٌ.. ولا يُبيدُهُ نِسيان.

يا حامِلَ الوفاء.. أنتَ الغَريبُ في هَذا العَصر

لكنَّكَ السَّيّدُ في مَملَكَةِ الضَّمير

فَكُن كالبَحرِ.. يَقذِفُ الزَّبَدَ لِلأعلى

ويَحتَفِظُ باللؤلؤِ في الأعماق.. لِلأوفياء.

قد يعجبك ايضا