نيجيرفان بارزاني… هندسة التوازن في المثلث العراقي– الكوردستاني– السوري

نبيل عبد الأمير الربيعي

يشهد الشرق الأوسط اليوم مرحلة إعادة تشكل سياسي وأمني تفرض على دوله وقواه الفاعلة البحث عن مقاربات جديدة تتجاوز منطق الصراع إلى منطق الشراكة. وفي هذا السياق، تكتسب التحركات السياسية التي يقودها رئيس إقليم كوردستان السيد نيجيرفان بارزاني، أهمية خاصة، لأنها لا تنطلق من حسابات محلية ضيقة، وإنما من رؤية تسعى إلى بناء منظومة من العلاقات المتوازنة بين العراق وإقليم كوردستان وسوريا الجديدة، بما يخدم الاستقرار الإقليمي ويمنع عودة دوامات العنف.
لقد أثبتت القيادة الكوردستانية خلال السنوات الماضية أنها تمتلك قدرة ملحوظة على إدارة الحوار مع أطراف متباينة، مستفيدة من شبكة واسعة من العلاقات الإقليمية والدولية، ومن خطاب سياسي يقوم على التهدئة والوساطة أكثر من التصعيد. ومن هنا يمكن النظر إلى تحركات نيجيرفان بارزاني بوصفها امتداداً لدبلوماسية هادئة تسعى إلى تقريب المواقف، لا إلى تعميق الانقسامات.
ومن أبرز ما يحسب لهذه السياسة نجاحها في تقريب وجهات النظر بين القوى والأحزاب الكوردية في سوريا والقيادة الجديدة في دمشق. فقد أدرك الجميع أن استمرار الانقسام الكوردي لن يخدم سوى القوى التي تراهن على إدامة الفوضى، بينما يمثل الحوار مدخلاً ضرورياً لضمان حقوق المواطنين الكُرد ضمن إطار الدولة السورية، بعيداً عن مشاريع الصدام العسكري أو الإقصاء السياسي.
لقد كانت سوريا خلال السنوات الماضية ساحة مفتوحة للتدخلات الخارجية والصراعات الداخلية، الأمر الذي جعل أي تقارب بين دمشق والقوى الكوردية خطوة ذات أهمية استراتيجية. فالاتفاق على الحوار والبحث عن حلول سياسية من شأنه أن يجنب البلاد جولة جديدة من الاقتتال، ويهيئ الظروف لبناء دولة أكثر استقراراً، تستوعب تنوعها القومي والديني والثقافي.
وفي هذا الإطار، تبدو زيارة السيد نيجيرفان بارزاني ذات دلالات تتجاوز بعدها البروتوكولي، إذ يمكن أن تشكل دفعة قوية نحو تسريع تنفيذ التفاهمات المعلنة بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية (قسد). فهذه التفاهمات لن تحقق أهدافها بمجرد التوقيع عليها، وإنما تحتاج إلى إرادة سياسية وضمانات وثقة متبادلة، وهي عناصر تستطيع الوساطة الكوردستانية أن تسهم في تعزيزها، بحكم علاقاتها مع مختلف الأطراف.
إن نجاح تنفيذ اتفاق دمشق– قسد لا يعني فقط معالجة ملف سياسي أو أمني، بل يمثل خطوة أساسية نحو إعادة بناء الدولة السورية على أسس أكثر استقراراً، ودمج المؤسسات، وتنظيم العلاقة بين المركز والمناطق ذات الخصوصية القومية والإدارية، بما يحفظ وحدة البلاد ويمنع عودة بؤر التوتر.
ومن جانب آخر، فإن أي انفراج سياسي بين دمشق والقوى الكوردية ستكون له انعكاسات مباشرة على العراق وإقليم كوردستان. فالحدود المشتركة، وتشابك المصالح الاقتصادية، وحركة التجارة، تجعل من الاستقرار السوري عاملاً مهماً في دعم الاقتصاد العراقي، ولا سيما في المحافظات الشمالية والغربية.
ومن المتوقع أن تسهم هذه الزيارة في إعادة تفعيل التعاون الاقتصادي بين سوريا وإقليم كوردستان، بما يشمل تنشيط الحركة التجارية، وتسهيل انتقال البضائع، وفتح آفاق جديدة للاستثمار، فضلاً عن تعزيز التعاون في مجالات النقل والطاقة والخدمات. كما أن العراق، بحكم موقعه الجغرافي، يستطيع أن يكون شريكاً رئيسياً في عملية إعادة ربط الأسواق الإقليمية، وهو ما يفتح فرصاً اقتصادية كبيرة لجميع الأطراف.
إن التنمية الاقتصادية لا تقل أهمية عن التسويات السياسية، لأن المجتمعات الخارجة من الحروب تحتاج إلى فرص عمل وإعادة إعمار واستثمارات بقدر حاجتها إلى الاتفاقات الأمنية. ومن هنا فإن أي تقدم في العلاقات بين بغداد وأربيل ودمشق سيخلق بيئة أكثر ملاءمة للتنمية والاستقرار، ويقلل من فرص عودة التطرف والعنف.
ولعل أهم ما يميز السياسة التي يقودها السيد نيجيرفان بارزاني هو اعتمادها على الحوار باعتباره الوسيلة الأكثر فاعلية لمعالجة الأزمات. فالمنطقة دفعت أثماناً باهظة نتيجة منطق المواجهة، وأصبح من الواضح أن الحلول المستدامة لا تفرض بالقوة، بل تبنى عبر التفاهمات والضمانات المتبادلة واحترام المصالح المشتركة.
وفي ظل التحولات الإقليمية المتسارعة، تبدو الحاجة ملحة إلى بناء شبكة من العلاقات تقوم على التعاون لا التنافس، وعلى المصالح المشتركة لا الصراعات الصفرية. وإذا ما نجحت الجهود الرامية إلى تعزيز التفاهم بين بغداد وأربيل ودمشق، فإن ذلك لن يخدم الأطراف الثلاثة فحسب، بل سيشكل نموذجاً جديداً لإدارة الأزمات في منطقة عانت طويلاً من الانقسامات والحروب.
إن المرحلة المقبلة تتطلب قيادات تمتلك رؤية بعيدة المدى، تدرك أن الأمن لا يتحقق إلا بالتنمية، وأن التنمية لا تزدهر إلا في ظل الاستقرار، وأن الاستقرار يبدأ بالحوار. ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى التحركات الأخيرة لنيجيرفان بارزاني باعتبارها محاولة لبناء جسور سياسية واقتصادية جديدة، قد تسهم في فتح صفحة مختلفة في العلاقات بين العراق وإقليم كوردستان وسوريا، قوامها التعاون، والاحترام المتبادل، والبحث عن المصالح المشتركة التي تعود بالنفع على شعوب المنطقة جميعاً.

قد يعجبك ايضا