قراءة في كتاب أحمد الناجي (الصحفي عدنان حسين… سيرة قلم… وموقف كلمة)

نبيل عبد الأمير الربيعي

في الأزمنة المضطربة لا تعود السيرة الشخصية مجرد حكاية فردية، بل تتحول إلى وثيقة تكشف مصير وطن بأكمله. فالذين عاشوا في قلب التحولات الكبرى لا يحملون تاريخهم الشخصي وحده، وإنما يحملون ذاكرة جيل، وصدى مرحلة، وأثر الوقائع التي أسهمت في تشكيل الوعي الجمعي. ومن هذا المنطلق تتجلى القيمة الفكرية لكتاب الباحث والمؤرخ أحمد الناجي الموسوم (الصحفي عدنان حسين… سيرة قلم… وموقف كلمة)، إذ لا يقتصر على تقديم سيرة أحد أبرز الصحفيين العراقيين، بل ينهض بوصفه محاولة جادة لاستعادة جزء مهم من الذاكرة الوطنية التي تعرضت، خلال العقود الأخيرة، إلى التهميش والتشظي والنسيان.
لقد اعتادت المكتبة العراقية أن تزخر بالكتب التي تؤرخ للأحداث السياسية أو للمؤسسات الرسمية، لكنها ما زالت تفتقر إلى الدراسات المنهجية التي تؤرخ لصناع الكلمة، أولئك الذين لم يكونوا مجرد شهود على التاريخ، بل شركاء في صناعته وتوجيه الرأي العام. ومن هنا يكتسب هذا الكتاب أهميته، لأنه يعيد الاعتبار إلى الصحافة بوصفها مصدراً أصيلاً من مصادر كتابة التاريخ، وإلى الصحفي باعتباره فاعلاً في تشكيل الوعي، لا ناقلاً محايداً للأخبار.
ولعل أبرز ما يميز أحمد الناجي أنه لم يكتب سيرة احتفائية، ولم يقع في غواية صناعة البطولة أو تمجيد الشخصية موضوع البحث، بل اختار منهج المؤرخ الذي يلاحق الوثيقة، ويقارن الروايات، ويستنطق الذاكرة بحذر علمي. فجاء الكتاب أقرب إلى الدراسة التاريخية منه إلى السيرة التقليدية، حيث تتجاور الوثيقة مع الشهادة، والتحليل مع السرد، والحدث الشخصي مع سياقه الوطني.
إن القيمة الحقيقية لهذا العمل لا تكمن في أنه يوثق حياة عدنان حسين، بل في أنه يجعل من تلك الحياة مدخلاً لفهم العراق الحديث. فمن قرية الجوادية في ريف بابل، إلى جامعة بغداد، ثم سنوات المنافي الممتدة بين بيروت ودمشق وقبرص ولندن والكويت، وصولاً إلى بغداد بعد عام 2003، تتحرك السيرة عبر جغرافيا سياسية وثقافية معقدة، تؤكد أن المثقف العراقي ظل، في معظم الأحيان، أسير قضيته أكثر مما كان أسير مكانه.
وإذا كان التاريخ الرسمي يكتب غالباً من منظور السلطة، فإن هذا الكتاب يكتبه من زاوية الصحفي الذي عاش التحولات اليومية بكل تناقضاتها. ولهذا تبدو مقالات عدنان حسين، ولا سيما في عموده المعروف (شناشيل)، سجلاً يومياً لتحولات الدولة العراقية، وللأزمات التي عصفت بالسياسة والثقافة والمجتمع. وفي هذا السياق يحسن المؤلف حين يستحضر مقولة الفيلسوف والكاتب الفرنسي ألبير كامو بأن “الصحافة تكتب التاريخ بصيغة الحاضر”، لأن عدنان حسين لم يكن يكتب تعليقاً آنياً بقدر ما كان يدون شهادة على زمن كامل.
كما نجح الكتاب في الربط بين السيرة والفكرة، فلم يظهر عدنان حسين مجرد صحفي محترف، بل مثقفاً تنويرياً ظل يدافع عن الدولة المدنية، وحرية التعبير، والعدالة الاجتماعية، وحقوق الإنسان، حتى في المراحل التي كانت الكلمة الحرة فيها باهظة الثمن. وهنا يغدو الكتاب قراءة في أخلاق المهنة بقدر ما هو قراءة في تاريخها.
وقد بذل أحمد الناجي جهداً توثيقياً لافتاً في جمع المادة العلمية. فغياب سيرة مكتوبة عن عدنان حسين، وتشتت الوثائق بين المنافي، واعتماد كثير من الأحداث على الذاكرة الشفوية، كلها تحديات كان يمكن أن تربك أي باحث، إلا أن الناجي واجهها بأدوات المؤرخ؛ مستعيناً بالمقابلات الشخصية، والرسائل، والمخطوطات، والأرشيف الصحفي، والهوامش الموثقة، ليقدم عملاً متماسكاً علمياً ومقنعاً تاريخياً.
واللافت أن المؤلف لا يكتفي بتسجيل الوقائع، بل يسعى إلى تفسيرها وربطها ببيئتها السياسية والثقافية، ولذلك يخرج القارئ بمعرفة أوسع عن عدنان حسين، وبفهم أعمق للعلاقة المعقدة بين السلطة والصحافة، وبين المثقف والمنفى، وبين الكلمة والحرية في العراق الحديث.
إن هذا الكتاب، في جوهره، ليس سيرة فرد، وإنما سيرة جيل كامل من الصحفيين العراقيين الذين حملوا أقلامهم كما يحمل الجنود أسلحتهم، ودفعوا أثمان مواقفهم من حريتهم واستقرارهم وأعمارهم. وهي رسالة تؤكد أن الصحافة ليست مجرد مهنة، بل مسؤولية أخلاقية، وأن الكلمة الحرة ليست امتيازاً، بل عبء لا ينهض به إلا أصحاب الضمائر الحية.
ومن الناحية الأسلوبية، جاء الكتاب بلغة رصينة، بعيدة عن الإنشاء والخطابة، متكئة على الوثيقة أكثر من البلاغة، وهو خيار منهجي موفق ينسجم مع طبيعة المشروع التوثيقي، من دون أن يفقد النص دفئه الإنساني، إذ ظل المؤلف حريصاً على أن يرى القارئ الإنسان خلف الصحفي، والضمير خلف الكاتب.
وفي الحقيقة، فإن ما أنجزه أحمد الناجي يتجاوز حدود التوثيق إلى فعل ثقافي مقاوم للنسيان. ففي بلد تعرضت ذاكرته إلى التشظي بفعل الحروب والاستبداد والاحتلال والانقسامات، تصبح كتابة السير الوطنية شكلاً من أشكال الدفاع عن الهوية الثقافية. فالأمم لا تحفظ وجودها بالآثار وحدها، وإنما تحفظه أيضاً بسير رجالها ونسائها الذين صنعوا وعيها الجمعي.
يقدم أحمد الناجي في كتابه عن عدنان حسين نموذجاً لما ينبغي أن تكون عليه الكتابة التوثيقية الرصينة؛ كتابة تجمع بين الأمانة العلمية، والرؤية الفكرية، والحس الوطني. فهو لا يؤرخ لمسيرة صحفي كبير فحسب، بل يعيد الاعتبار إلى قيمة الكلمة الحرة، وإلى دور الصحافة في صناعة الوعي، وإلى أهمية حفظ الذاكرة الثقافية للأجيال المقبلة.
إنه كتاب يستحق أن يحتل مكانة متقدمة في مكتبة الصحافة العراقية، لأنه لا يقدم سيرة شخص واحد، بل يقدم شهادة على مرحلة كاملة من تاريخ العراق، ويذكرنا بأن الأوطان التي تحفظ ذاكرة مثقفيها وصحفييها، إنما تحفظ في الوقت نفسه ضميرها الأخلاقي، وبوصلتها الحضارية، وأملها في مستقبل أكثر وعياً وعدالة.

قد يعجبك ايضا