القيَم المنسية

علي حسين عبيد

معظم الشباب لا يمتلكون خبرة الحياة التي تضعبينهم وبين التلاعب والخداع حواجز شاهقة منالحكمة والتعقّل، كما أننا ربما لا نقدم لشبابنا مايحتاجون له من دروس ومحاضرات وندوات وكتبتربوية، تنمّي في نفوسهم وعقولهم منظومة من القيمالصحيحة التي تحميهم من صدمة الاستهلاك القائمعلى الترويج المغري

في كل مجتمع هناك قيَم أصيلة وأخرى وافدة،ويكمن الخطر في الوافدة أو الدخيلة، حيث يتعمّدالغرب وسياسة الشركات الكبرى على ترويجبضاعتهم ومنتجاتهم، في أساليب تنطوي علىالكثير من المراوغة والخداع والإغراء الخبيث، الذييقود أفراد المجتمع وخصوصا فئة الشباب إلى حالةمن الدهشة إزاء تلك السلع، مما يجعلهم مندفعينبقوة تحت تأثير أشكال العرض الغريبة لهذه السلع،فينتشر حب كبير للاقتناء، وتسود موجة منالاستهلاك المفرط حتى تكون الربحية كبيرة.

ويتم إشاعة نوع من القيم تشجّع على الميوعةوالانحلال، وتعدّ هذه السلوكيات نوعا من التطور،لكنها في الحقيقة تمثل ثقافة غريبة تريد أن تأخذمحل الثقافة الأم، وتهمّش القيم الأصيلة فتغدومنسية لا أحد يتذكرها، وقلة من أفراد المجتمعيتمسكون بها ويؤدون واجباتهم في ضوئها، وتبقىقيم منسية رغم أصالتها.  

لهذا هنالك اليوم مجتمعات (ومن بينها مجتمعنا) تعاني من حالة الافتقار لمنظومة قيم سليمة وقويةتعينهم وتساعدهم على مواجهة عالمنا المعاصر، الذيينقصه الاهتمام بالقيم والأخلاق والطاقة المعنوية،وفي نفس الوقت تشغله التوافه وصغائر الأمور،لاسيما في مجال الاستهلاك المفرط، والانشغالبالأشكال الغريبة للسلع المصنّعة في الغرب، والمهيّأةخصيصا لإشغال الشباب بما يسمى بالموديلاتالحديثة أو بـ (المودة)، فيهفو الشباب على هذه السلعكأنهم في حالة عجز تام تجاه تلك السلع.

فنجد تفوقا وهيمنة للميول المادية عند الشباب،والسبب هو ذلك التدفق الهائل للقيم الدخيلة، فيمقابل تراجع غريب للقيم الأصيلة، وهذا ما لا يقبلهكل إنسان يمتلك عقلا رصينا وحكمة ومعرفة واعية،لكن شبابنا اليوم يواجهون بالفعل صدمة من نوعمختلف، لأنهم وقعوا اليوم تحت تأثير طرائق العرضالمدروسة جيدا من قبل الشركات التي لا يهمها شيئاسوى الربح، فتعم إلى الخداع والتضليل والأكاذيبعبر الترويج بطريقة العرض المغري.

قلة المحاضرات والندوات التربوية

وكما هو معلوم، معظم الشباب لا يمتلكون خبرةالحياة التي تضع بينهم وبين التلاعب والخداعحواجز شاهقة من الحكمة والتعقّل، كما أننا ربما لانقدم لشبابنا ما يحتاجون له من دروس ومحاضراتوندوات وكتب تربوية، تنمّي في نفوسهم وعقولهممنظومة من القيم الصحيحة التي تحميهم من صدمةالاستهلاك القائم على الترويج المغري عبر أساليبديدنها الكذب والخداع، والمهم لديها أن تدمّر القيمالأصيلة، وتزج في محلها القيم البديلة الوافدة منالغرب.

يؤكد عدد من الشباب الملتزمين، أنهم لاحظوا إقبالاشديدا لأقرانهم على الأسواق، وخصوصا المولاتالكبيرة، ولاحظوا أيضا حالة الدهشة التي تهيمنعلى هؤلاء الشباب تجاه العديد من السلعالاستهلاكية، ورغبتهم الكبيرة باقتنائها، على الرغممن أنهم ليسوا بحاجة ماسّة لها، وعندما وجهنا لهمالسؤال التالي: لماذا تشتري هذه السلعة وأنت غيرمحتاج لها؟

كانت إجابتهم غير مقنعة، وبعضهم تهرَّب منالإجابة، فيما قال آخرون بأنهم يستحقون العيشبرفاهية، والحقيقة هذه الإجابات لم تكن في محلهابالمطلق، فهؤلاء الشباب يعتقدون بأن شراء هذهالسلعة أو تلك يملأ لهم فراغ الرغبات التي تجتاحنفوسهم وعقولهم، وهم يظنون بأن الحصول على هذهالسلع يجعلهم أكثر سعادة، ولم يخطر في بالهمأنهم ضحية تخطيط جهنمي لشركات وقوى وثقافاتتسعى لتدمير عقولهم وقيمهم.

ويمكن توصيف هذه العملية بأنها نوع من غسيلالدماغ، أي محو القديم وترسيخ الجديد بدلا منه،فيتم محو القيم الأصيلة وفي نفس الوقت تتم تعبئةعقولهم بالقيم الدخيلة، وتكون وسيلتهم في ذلكإشغال الشباب بالمظاهر الشكلية المادية، وعرضهاوفق أساليب جاذبة، هدفها خلخلة منظومة القيم التيأخذها الشاب من بيئته الاجتماعية ومن ثقافتهالدينية والأسرية والمدرسية.

خطوات مهمة لتحصين المجتمع

وحينئذ يتم مسح القيم التي حصل عليها الشاب فيمراحل النشوء الأولى، فمثلا يتم ضرب التربية الدينيةالتي أخذها الشاب من والدية عندما كان طفلا، أوأخذها من معلمه في مرحلة الدراسة الابتدائية،وهكذا شيئا فشيئا، يتحقق هدف أصحاب الخططالمسبقة لتدمير منظومة القيم الأصيلة عند الشباب،لهذا عندما لا يفتح هؤلاء الشباب عقولهمويستخدمون ذكاءهم، فإنهم يقعون تحت تأثير القيمالخبيثة الوافدة.

أما المطلوب من شبابنا، ومن الجهات المعنية بتأمينهممن هجومات القيم الخبيثة، فهو ما يلي:

تحصين الشباب بالوعي والأفكار والثقافة والدين.

تدريب الشباب على الصبر والتحمل.

عدم خضوع الشباب لصدمة القيم الدخيلة الكاذبة.

توعية الشباب بأساليب العرض، وإغراءات السلعمن خلال العرض الصادم.

تقديم التحذيرات الصحيحة حول الاستهلاكالمفرط.

تقديم البدائل المناسبة للشباب، وحمايتهم منالشعور بأنهم محرومون.

بالطبع يتطلب النجاح في هذا المسعى، تهيئة جيدللمستلزمات المطلوبة، والتي تمنح الشباب رؤيةواضحة عما يجري اليوم في عالم اليوم من تخطيطمسبق لتشويه القيم الاصيلة للشعوب، ودفعهم نحوالعالم الاستهلاكي بقوة، وهذه القوى الدوليةوالشركات الربحية تعلم علم اليقين بأن الشبابوالشعوب المحصنة بالقيم الأصيلة غير قابلة للخداع.

لهذا تبقى منظومة القيم الأصيلة في كاملحضورها، وتأثيرها، وتفشل معها جميع المحاولاتالتي تريد محو هذه المنظومة المتأصلة في نفوسالناس ومن بينهم وأهمهم شريحة الشباب التيتشكل القيمة الحضورية الفاعلة للمجتمع بأجمعه،لذا فإن حماية عقول الشباب من القيم الدخيلة، هيحماية للمجتمع كله، وهذا هو الهدف الأسمىوالأهم.

قد يعجبك ايضا