د. مريم كاظم هادي
شهد العصر النبوي تحولات عميقة في البنية الاجتماعية والاقتصادية للمجتمع العربي، حيث انتقل من نمط قبلي تقليدي تحكمه الأعراف والعادات إلى مجتمع منظم يقوم على مبادئ الشريعة الإسلامية وقيم العدل والمساواة والتكافل. وفي هذا الإطار برز دور المرأة بوصفها عنصراً فاعلاً في الحياة الاقتصادية، ولم يكن حضورها هامشياً أو شكلياً، بل كان حضوراً مؤثراً أسهم في بناء المجتمع الإسلامي الأول وترسيخ دعائمه.
قبل الإسلام كانت المرأة في كثير من البيئات العربية محرومة من حقوق مالية أساسية، فلا ترث في أغلب الأحوال، ولا تملك حق التصرف المستقل في أموالها، وكانت تعامل أحياناً بوصفها جزءاً من المتاع. فجاء الإسلام ليقرر لها ذمة مالية مستقلة، ويمنحها حق التملك والتصرف والبيع والشراء والهبة والوصية، ويقر لها حق الإرث بنصوص واضحة، الأمر الذي شكل نقلة نوعية في وضعها الاقتصادي.
من أبرز النماذج التي تجسد الدور الاقتصادي للمرأة في العصر النبوي شخصية السيدة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، التي كانت تاجرة ذات مال، تدير أعمالها التجارية وترسل قوافلها إلى الشام واليمن، وتعتمد نظام المضاربة في تجارتها. وقد استثمرت مالها في نصرة الدعوة الإسلامية في مراحلها الأولى، مما يدل على أن المرأة لم تكن مجرد عنصر تابع، بل كانت صاحبة قرار اقتصادي مؤثر.
كما شاركت نساء أخريات في أنشطة اقتصادية متعددة، منها التجارة في الأسواق، وصناعة بعض المنتجات اليدوية، والغزل والنسيج، وإدارة شؤون المزارع والأنعام. وكانت بعض النساء يبعن السلع في السوق، ولم يمنعهن النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك، بل أقر هذا النشاط في إطار الضوابط الأخلاقية العامة التي تحكم المعاملات.
وقد اهتم الإسلام بتنظيم السوق وضبط المعاملات، وأرسى قواعد تمنع الغش والاحتكار والربا، مما وفر بيئة اقتصادية أكثر عدلاً يمكن للمرأة أن تمارس فيها نشاطها بأمان. وكان للنساء حضور في سوق المدينة، وكان بعضهن يستشرن النبي في مسائل البيع والشراء، مما يعكس وعياً اقتصادياً ومشاركة حقيقية في حركة التداول المالي.
وفي مجال العمل الزراعي والرعوي، ساهمت النساء في إدارة الممتلكات والأراضي، خاصة في حالات غياب الأزواج بسبب الغزوات أو الوفاة. وكانت المرأة قادرة على التصرف في مالها وإدارته دون وصاية، وهو ما عزز دورها في استقرار الأسرة اقتصادياً. كما أن بعض النساء كن يتولين رعاية النخيل والزروع، ويشاركن في عمليات الحصاد وجمع الثمار.
ومن الجوانب المهمة أيضاً مشاركة المرأة في نظام التكافل الاجتماعي، من خلال الصدقات والزكاة والإنفاق في سبيل الله. فقد كانت النساء يتبرعن بحليهن وأموالهن دعماً للمجتمع، كما في حادثة التبرع يوم العيد حين حث النبي النساء على الصدقة، فبادرن بإلقاء ما معهن من حلي في ثوب بلال رضي الله عنه. وهذا يعكس إدراك المرأة لمسؤوليتها الاقتصادية والاجتماعية.
كما لعبت المرأة دوراً في الصناعات المنزلية التي شكلت رافداً مهماً للاقتصاد الأسري، مثل الغزل وصناعة الملابس وتجهيز الأدوات المنزلية. وكانت هذه الأنشطة تسهم في تحقيق الاكتفاء الذاتي للأسرة، وتخفف من الأعباء المالية. وبعض النساء كن يتقاضين أجراً مقابل عملهن، مما يدل على وجود تبادل اقتصادي مشروع ومعترف به.
ومن الناحية التشريعية، أكد الإسلام على استقلال الذمة المالية للمرأة، فنص على أن للمرأة أن تبيع وتشتري دون إذن زوجها إذا كانت رشيدة، كما أقر حقها في المهر بوصفه حقاً خالصاً لها، لا يجوز لأحد أن يستولي عليه. وهذا الحق المالي عزز مكانتها الاقتصادية ومنحها قدراً من الأمان والاستقلال.
كما أن نظام الإرث الذي جاء به الإسلام أعطى المرأة نصيباً محدداً من التركة، سواء كانت بنتاً أو زوجة أو أماً أو أختاً. ورغم اختلاف الأنصبة بحسب درجة القرابة، فإن مجرد تقرير حق الإرث للمرأة كان خطوة إصلاحية كبرى في سياق ذلك العصر، وأسهم في إدماجها في المنظومة الاقتصادية بشكل أكثر عدالة.
وفي سياق الغزوات، كان للمرأة حضور اقتصادي غير مباشر، من خلال دعم المجاهدين بالتموين والتمريض، والمشاركة في بعض الأعمال اللوجستية، وهو ما ساهم في استمرارية النشاط الاقتصادي والاجتماعي للمجتمع. كما أن بعض النساء كن يعملن في التمريض مقابل أجر أو نصيب من الغنائم، مما يدل على اعتراف المجتمع بقيمة عملهن.
إن الدور الاقتصادي للمرأة في العصر النبوي لم يكن منفصلاً عن دورها الأسري، بل كان مكملاً له. فقد أدارت شؤون بيتها بحكمة، وساهمت في تنظيم الموارد، وترشيد الاستهلاك، وتربية الأبناء على قيم العمل والاعتماد على النفس. وكان هذا التوازن بين العمل الأسري والمشاركة الاقتصادية أحد أسرار استقرار المجتمع الإسلامي الأول.
وإذا نظرنا إلى التجربة النبوية في مجملها، نجد أنها أرست نموذجاً متوازناً يتيح للمرأة أن تكون شريكة في البناء الاقتصادي دون أن تفقد خصوصيتها أو كرامتها. فقد جمع الإسلام بين حفظ القيم الأخلاقية وتشجيع العمل والإنتاج، وأعطى المرأة مساحة للمشاركة وفق قدراتها وظروفها.
إن دراسة دور المرأة في الحياة الاقتصادية في العصر النبوي تكشف عن رؤية حضارية متقدمة، قامت على تمكين المرأة اقتصادياً ضمن إطار من المسؤولية والعدالة. وقد أسهم هذا التمكين في تعزيز قوة المجتمع، وتحقيق قدر من التوازن الاجتماعي، وترسيخ مبدأ الشراكة بين الرجل والمرأة في عمارة الأرض.
وتبقى التجربة النبوية نموذجاً يمكن الاستفادة منه في إعادة قراءة أدوار المرأة في المجتمعات الإسلامية المعاصرة، بعيداً عن الصور النمطية أو التفسيرات المجتزأة، وذلك من خلال فهم النصوص في سياقها، واستحضار المقاصد الكبرى للشريعة التي تؤكد على الكرامة الإنسانية والعدل والمصلحة العامة.