د. اريج حازم مهدي
يُعدّ التوجيه التربوي أحد الركائز الأساسية في العملية التعليمية الحديثة، إذ يضطلع بدور محوري في بناء شخصية الطالب المتوازنة نفسيًا واجتماعيًا وأخلاقيًا، وفي تعزيز المناخ المدرسي الآمن القائم على الاحترام المتبادل والتسامح. ومع تصاعد ظاهرة التنمر المدرسي بوصفها من أخطر المشكلات السلوكية التي تواجه المؤسسات التعليمية، برزت الحاجة الملحّة إلى تفعيل دور التوجيه التربوي كأداة وقائية وعلاجية تسهم في الحد من هذه الظاهرة وآثارها السلبية على الفرد والمجتمع المدرسي ككل.
يُقصد بالتوجيه التربوي مجموعة الجهود المنظمة التي يقوم بها المرشد التربوي بالتعاون مع إدارة المدرسة والمعلمين وأولياء الأمور، بهدف مساعدة الطلبة على فهم ذواتهم، وتنمية قدراتهم، وحل مشكلاتهم، والتكيّف الإيجابي مع البيئة المدرسية. ولا يقتصر دور التوجيه التربوي على الجانب الأكاديمي فحسب، بل يمتد ليشمل الجوانب النفسية والاجتماعية والسلوكية، وهو ما يجعله أداة فعّالة في مواجهة السلوكيات العدوانية غير السوية مثل التنمر.
أما التنمر المدرسي فيُعرّف بأنه سلوك عدواني متكرر، مقصود، يصدر عن فرد أو مجموعة تجاه فرد آخر أضعف منه، ويتخذ أشكالًا متعددة كالتنمر الجسدي، واللفظي، والاجتماعي، والإلكتروني. ويؤدي هذا السلوك إلى آثار نفسية خطيرة على الضحايا، منها القلق، والاكتئاب، وتدني تقدير الذات، وقد يمتد أثره إلى التحصيل الدراسي والعلاقات الاجتماعية، بل وإلى الصحة النفسية على المدى البعيد.
يلعب التوجيه التربوي دورًا وقائيًا مهمًا في الحد من التنمر المدرسي من خلال العمل على نشر الوعي بين الطلبة حول مخاطر التنمر وآثاره السلبية، وتعزيز قيم الاحترام والتسامح وقبول الآخر. كما يسهم المرشد التربوي في تنمية المهارات الاجتماعية والانفعالية لدى الطلبة، مثل مهارات التواصل الفعّال، وضبط الانفعالات، وحل النزاعات بطرق سلمية، مما يقلل من احتمالية لجوئهم إلى السلوك العدواني.
ومن الأدوار الأساسية للتوجيه التربوي الكشف المبكر عن حالات التنمر، سواء لدى الضحايا أو المتنمرين، وذلك عبر الملاحظة المباشرة، والمقابلات الفردية، والاستبيانات، والتواصل المستمر مع المعلمين. ويساعد هذا الكشف المبكر في التدخل السريع قبل تفاقم المشكلة، ووضع خطط إرشادية مناسبة لكل حالة وفقًا لخصوصيتها.
كما يضطلع المرشد التربوي بدور علاجي من خلال تقديم الإرشاد النفسي الفردي والجماعي للطلبة المتأثرين بالتنمر. ففيما يتعلق بالضحايا، يعمل المرشد على دعمهم نفسيًا، وتعزيز ثقتهم بأنفسهم، وتدريبهم على أساليب المواجهة الإيجابية وطلب المساعدة. أما بالنسبة للطلبة المتنمرين، فيسعى التوجيه التربوي إلى فهم الدوافع الكامنة وراء سلوكهم، والتي قد ترتبط بمشكلات أسرية أو نفسية، والعمل على تعديل هذا السلوك عبر برامج إرشادية وسلوكية هادفة.
ولا يمكن للتوجيه التربوي أن يحقق أهدافه في الحد من التنمر المدرسي بمعزل عن باقي عناصر العملية التعليمية. فالتكامل بين المرشد التربوي وإدارة المدرسة والمعلمين يُعدّ عاملًا حاسمًا في نجاح الجهود الوقائية والعلاجية. إذ يسهم المعلمون في رصد السلوكيات العدوانية داخل الصف، وتوفير بيئة صفية إيجابية، بينما تعمل الإدارة المدرسية على دعم برامج التوجيه وتوفير الإمكانات اللازمة لتنفيذها.
كما يُعدّ إشراك الأسرة في برامج التوجيه التربوي عنصرًا أساسيًا في مواجهة التنمر المدرسي، فالتعاون بين المدرسة والأسرة يساعد على توحيد الجهود التربوية، ومتابعة سلوك الطالب داخل المدرسة وخارجها. ويمكن للمرشد التربوي تنظيم لقاءات وورش عمل لأولياء الأمور لرفع مستوى الوعي لديهم بأساليب التربية الإيجابية، وكيفية التعامل مع أبنائهم في حال تعرضهم للتنمر أو ممارستهم له.
إلى جانب ذلك، يسهم التوجيه التربوي في إعداد وتنفيذ برامج وأنشطة مدرسية تعزز ثقافة اللاعنف، مثل الحملات التوعوية، والمسرح المدرسي، والأنشطة الرياضية والثقافية، والعمل الجماعي، التي تُنمّي روح التعاون والانتماء لدى الطلبة، وتحدّ من النزعات العدوانية.
وفي ظل التطور التكنولوجي وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي، برز التنمر الإلكتروني كأحد أخطر أشكال التنمر، مما يفرض على التوجيه التربوي مواكبة هذه التحديات من خلال توعية الطلبة بالاستخدام الآمن للتكنولوجيا، وتعريفهم بحقوقهم وواجباتهم الرقمية، وتدريبهم على حماية أنفسهم من الإساءة الإلكترونية، والإبلاغ عن أي سلوك مسيء.
وخلاصة القول، إن التوجيه التربوي يُعدّ عنصرًا فاعلًا في الحد من ظاهرة التنمر المدرسي، لما له من دور وقائي وعلاجي وتوعوي يسهم في بناء بيئة مدرسية آمنة وداعمة لنمو الطلبة نفسيًا واجتماعيًا. ويتطلب تحقيق ذلك تضافر جهود جميع الأطراف المعنية بالعملية التعليمية، وتوفير الدعم المؤسسي اللازم للمرشدين التربويين، بما يضمن استمرارية البرامج الإرشادية وفعاليتها في مواجهة هذه الظاهرة وحماية الأجيال الناشئة من آثارها السلبية.