نبيل عبد الأمير الربيعي
صدرت حديثاً رواية (مذكرات خاتون كرخيّة) للقاص والروائي العراقي خضير فليح الزيدي، في (165) صفحة من القطع المتوسط، لتضيف منجزاً جديداً إلى مشروعه السردي المعروف بانشغاله بالتحولات الاجتماعية والنفسية للشخصية العراقية، واستثماره فضاءات الذاكرة الشعبية والمدينة بوصفها حاضنة للحكاية ومصدراً لإنتاج المعنى.
تنهض الرواية على بناء سردي يجمع بين تقنية المذكرات الشخصية والرواية الاجتماعية، حيث تتقاطع الذاكرة الفردية مع الذاكرة الجمعية لمدينة بغداد، ولا سيما جانبها الكرخي الذي يحضر بوصفه فضاءً مكانياً ورمزياً في آن واحد. ومن خلال شخصية (الخاتون)، يستعيد الزيدي عالماً تتشابك فيه الوقائع اليومية بالأسئلة الوجودية، وتتداخل فيه الحكاية الشخصية مع مصير الجماعة.
اعتمد الروائي على بنية سردية متشظية تقوم على التقطيع وتعدد المقاطع والفصول، فجاءت الرواية موزعة على وحدات سردية ذات عناوين دالة مثل: (صفحة الوفيات)، (باب الكهف)، (مذكرات النوم)، (باب الروشن)، (ماء غريب)، (زجاجة العمر)، (عقدة الأجداد)، (ليلة الاغتصاب)، (الفرصة الذهبية)، و(لقاء الخاتون). وهذه البنية لا تؤدي وظيفة تنظيم الحكاية فحسب، بل تعكس أيضاً التشظي النفسي والوجودي الذي تعيشه الشخصيات.

لا تنشغل الرواية بسرد الأحداث وفق تسلسلها التقليدي، بقدر ما تنشغل بالكشف عن أزمة الإنسان المعاصر في عالم فقد يقيناته الكبرى. ومن هنا تبدو أقرب إلى نص وجودي يستثمر أدوات السرد الحديثة للكشف عن العبث الذي يطبع الحياة اليومية، وعن العدمية التي تتسلل إلى الوعي الجمعي، وعن الركود الفكري الذي يهيمن على الواقع الثقافي والاجتماعي.
يشكل المقهى المركز الرمزي الأبرز في الرواية، فهو ليس مجرد مكان تجتمع فيه الشخصيات، بل فضاء دلالي يختزل صورة المجتمع بأكمله. هنا تتعرى الشخصيات من أقنعتها الاجتماعية، وتنكشف هشاشتها الداخلية، فيما يتحول المقهى إلى وطن بديل، أو إلى ما يشبه (جمهورية المهمشين) التي فقدت ثقتها بالمستقبل وبقدرة الواقع على إنتاج المعنى.
في هذا الفضاء العبثي تتحرك الشخصيات كما لو أنها عالقة داخل دائرة مغلقة. فالزمن يتكرر دون تغيير، والأحلام تتآكل قبل تحققها، والأفعال تفقد غاياتها الأصلية. فالمطرب يغني في فضاء بلا جمهور، والطبيب يمارس مهنته في ظروف تفتقد شروطها الطبيعية، والكاتب نفسه يعجز عن إتمام مشروعه الإبداعي رغم إيمانه العميق بالكتابة. وهكذا يتحول الوجود إلى سلسلة من المحاولات غير المكتملة، حيث يصبح الانتظار بديلاً عن الفعل، ويتحول الكلام إلى دوران في فراغ المعنى.
وتحضر الفلسفة الوجودية في الرواية بوصفها خلفية فكرية غير معلنة. فالشخصيات تبدو حرة من الناحية النظرية، لكنها عاجزة عن ممارسة حريتها فعلياً. إنها شخصيات تواجه عبء الاختيار في عالم مضطرب، وتعيش قلقاً دائماً إزاء جدوى أفعالها ومصيرها. وهذا ما يجعل الرواية تقترب من تصورات جان بول سارتر حول الحرية والمسؤولية والقلق الوجودي.
أما شخصية (جميل القربان) فتؤدي دوراً محورياً في الكشف عن هذا العالم المأزوم. فهو ليس راوياً تقليدياً بقدر ما هو وسيط بين الحقيقة والوهم، وبين الماضي والحاضر. ومن خلال علاقته بالكاتب الراحل وابنه (زيد)، تتحول الرواية إلى تأمل عميق في فعل الكتابة ذاته، وفي حدود قدرة الأدب على استعادة الحقيقة أو إعادة بناء الذاكرة.
كما يوظف الزيدي تقنية (الرواية داخل الرواية)، حيث تصبح المذكرات مشروعاً سردياً جديداً يسعى الابن إلى استكماله بعد رحيل الأب. ومن خلال هذا التداخل بين النصوص والأصوات تتشكل لعبة سردية معقدة تجعل الحقيقة مؤجلة باستمرار، وتدفع القارئ إلى المشاركة في إنتاج المعنى بدلاً من تلقيه جاهزاً.
وتبلغ الرواية ذروتها الفكرية حين يتحول العبث إلى حالة عدمية شاملة. فالقيم تتآكل تدريجياً، واليقينيات تتداعى، والعلاقات الإنسانية تفقد تماسكها. الكذب يصبح وسيلة للنجاة، والنفاق أداة للتكيف، فيما تتراجع المعايير الأخلاقية أمام منطق المنفعة والمصلحة. وحتى الموت نفسه يفقد هيبته الرمزية، ليغدو حدثاً يومياً عادياً في عالم اعتاد الخراب.
وفي هذا السياق تبدو شخصية “الخاتون” أكثر من مجرد بطلة روائية؛ إنها استعارة رمزية لوطنٍ تعرّض للخيانة والانتهاك، ولذاكرة جماعية أثقلتها الحروب والانكسارات. ومن خلال حكايتها يفتح الزيدي باب التأويل على مصراعيه، تاركاً للقارئ حرية اكتشاف الدلالات الكامنة خلف السرد.
إن قوة رواية (مذكّرات خاتون كرخيّة) لا تكمن في الحكاية وحدها، بل في قدرتها على تحويل السرد إلى أداة للتفكير في الإنسان والعالم. فهي رواية تضع القارئ أمام أسئلة كبرى تتعلق بالهوية والذاكرة والحرية والمعنى، مستثمرة لغة مشحونة بالسخرية السوداء والتوتر الوجودي والتأمل الفلسفي.
لقد نجح خضير فليح الزيدي في بناء نص سردي متماسك، رغم تشظيه الظاهري، يجمع بين خصوصية المكان العراقي وانفتاحه على الأسئلة الإنسانية الكونية. ولهذا يمكن النظر إلى (مذكّرات خاتون كرخيّة) بوصفها واحدة من الروايات العراقية التي استطاعت أن توظف تقنيات السرد الحديثة وأدب العبث في مقاربة الواقع العراقي المعاصر، ليس بوصفه حدثاً سياسياً أو اجتماعياً فحسب، بل بوصفه أزمة معنى يعيشها الإنسان في مواجهة عالم تتكاثر فيه الأسئلة وتغيب عنه الإجابات.