التعليم في العراق بين العلاج المجاني والخدمة المدفوعة

تزرين يعقوب سولا

أصبحت المدارس الأهلية تشبه عيادات الأطباء الخاصة، كل شيء فيها محسوب بالدقيقة والدينار: مقاعد مريحة، إعلانات جذابة، ووعود بالاهتمام الفردي. تدخلها مطمئنًا لأنك دفعت، وتخرج وأنت مقتنع، أو مُقنَع بأن )الخدمة ممتازة(

في المقابل، صارت المدارس الحكومية أشبه بالمستشفيات الحكومية؛ أبواب مفتوحة للجميع، لكنها مثقلة بالزحام، منهكة بالإهمال، وتطلب من المراجع “أو الطالب” جرعة صبر قبل أي شيء آخر. الصف مزدحم، المعلم مثقل بالمهام، والإدارة تبحث عن حلول بـ) أدوات إسعاف أولي(لمشاكل مزمنة.

ليس لأن المدارس الأهلية تملك عصا سحرية، ولا لأن التعليم الدولي نزل من السماء، بل لأن المدرسة الحكومية تُركت وحدها في ساحة الإهمال. فالمواطن لم يهرب إلى الأهلية حبًا بها، بل هرب من واقعٍ يقول له كل صباح: (اقنع بالموجود). وهنا يصبح التعليم ” الذي يفترض أن يكون حقًا ” خيارًا طبقيًا. من يملك المال يشتري الراحة، ومن لا يملكه يقبل بالأمر الواقع

الطالب في المدرسة الحكومية يتقن أولًا مهارات الصبر والتحمّل، ثم يتعلم كيف يتجاوز النقص، أما التفوق فغالبًا ما يحتاج (واسطة) أو مجهودًا مضاعفًا. المفارقة المؤلمة أن المدارس الحكومية لا تفشل لأنها عاجزة، بل لأنها تُدار بعقلية الترقيع. سياسة تعليمية غير معلنة، مناهج تُبدّل دون إعداد، أبنية تُرمّم بالدهان، ومعلّم يُطالب بالمعجزات وهو بالكاد يجد أدواته.

أما المدرسة الأهلية، فقد وجدت في هذا الواقع فرصة ذهبية. كلما تراجعت الحكومية خطوة، تقدّمت الأهلية خطوتين، لا لأن رسالتها أنبل، بل لأن السوق لا يعترف بالنيات. وهكذا يصبح التعليم مشروعًا استثماريًا، وتصبح الشهادة ماركة، ويُقاس المستقبل بقدرة العائلة على الدفع. والأخطر من كل ذلك أن الدولة، بصمتها، توصل رسالة قاسية مفادها: (من يريد تعليمًا أفضل، فليبحث عنه وحده).

لكن السؤال الذي يبقى معلّقًا: إلى متى ندفع ثمن إهمال التعليم من مستقبل أبنائنا؟!

الطالب في المدرسة الحكومية يتعلّم أولًا كيف ينتظر، كيف يتجاوز النقص، وكيف ينجو بأقل الخسائر. أما التفوق، فيحتاج جهدًا مضاعفًا، ودروسًا خصوصية، وكأن المدرسة تقول له ضمنًا: (كمل الباقي برّه).

وحين يصبح خيار المدرسة الجيدة مرهونًا بالقدرة المالية، فإننا نؤسس مبكرًا لعدم تكافؤ الفرص، ونزرع تفاوتًا اجتماعيًا يبدأ من مقاعد الدراسة.

ويبقى السؤال :هل ستبقى المدرسة الحكومية ساحة تجارب، أم أن للنهوض بها حصة حقيقية في تفكير الحكومات؟ لأن التعليم إذا سقط، لا تقوم له قائمة بترقيع ولا بشعارات!

قد يعجبك ايضا