د. اريج حازم مهدي
“العلم في الصغر كالنقش في الحجر”
يعبّر هذا المَثَل السائر عن مقتضيات إنسانيَّة لازمت وجود الفرد في المجتمعات كافَّة، فسعى إلى وضع نظم تربويَّة مبنيَّة على التهذيب والتأديب ينطلق النظام التربويّ من مجموعة قوانين وأنظمة من شأنها إرساء قواعد المؤسَّستَيْن التربويتَيْن الأساسيَّتَيْن المخوَّلتَيْن السهر والحفاظ على تكوين كرامة النشء الشخصيَّة ومنع التقصير والتخاذل لدى قيامه بواجباته التأهيليَّة، أسريَّةً كانت أم مدرسيَّة.
يرى عالم الاجتماع هنري لمن الضروريّ دراسة العائلة والمدرسة والتمعّن في التقنيّات التربويَّة منذ فترة تغذية الرضيع وحتَّى طرق عقاب وثواب الأطفال، والتوقّف خاصّةً عند شخصيَّة الرجل والمرأة، الكائنين اللذَيْن يفرضان على النشء الجديد النموذج المثاليّ.
ونتساءل حول معنى مفهوم الشخصيَّة الاجتماعيَّة، هل هو المخزون المرسّخ في أعماق شخصيّة الإنسان الفرديَّة منذ الصغر بشكل فريد ومميّز، أم أنَّها عملية تكوين نماذج مشابهة ومطابقة، وما هي المؤثّرات الفاعلة في تكوين بنية المجتمع الأساسيَّة.
يهتمّ بالدرجة الأولى بما هو مرسّخ في أعماق الشخصيَّة منذ الصغر كالسمات الأساسيَّة المميَّزة والمواقف الأساسيَّة المكوَّنة لها والتي على أساسها تُبنى النظم العليا. فإنَّ الاستمراريَّة بين النماذج والمناهج التربويَّة منذ الطفولة وحتّى سنّ المراهقة، تُشكّل عملية أساسيَّة في تكوين الشخصيَّة، أما وجود تناقضات بين تلك المرحلتَيْن من حياة الإنسان، فهو يؤدّي إلى ظهور نزاع شخصيّ تتوقّف طريقة حلّه على شخصيَّة الفرد المميَّزة.
المجال التربويّ
وتساعد التربية المدرسيّة وما تتضمّن من تقنيات تربوية حديثة، على تكوين شخصية الفرد الاجتماعية المتوازنة؟ النظام التربويّ ونقول إنه التهذيب والتأديب بناءً على مجموعة قوانين وأنظمة متساهلة حينًا وصارمة أحيانأ أخرى منعًا للتخاذل وإرساءً للمبادئ وللقيم السويّتين، كما أن هذه القوانين تلحظ التهنئة والتشجيع للأفراد المنضبطين الفاعلين في إطاره.
لقد حدد دور كهايم، عالم الاجتماع القدوة، عمل التريبة بكونه “مسعى أجيال الراشدين لتوجيه تلك التي لا تملك النضوج اللازم للقيام بعملية التأقلم الاجتماعي”، كما وضع مفاهيم أساسية مختارة هي بمثابة إرث مُعدّ للانتقال الى الأجيال الجديدة يُسمى الثقافة المدرسية الممثلة بوجهين: وجه الثقافة الشاملة والعالمية، ووجه المعارف المرسّخة ضمن إطار اجتماعي واقتصادي وسياسي محدد.
المفاهيم هي إنتقال المعارف، إنتقال الإختصاص، إنتقال القدرات، إنتقال المواقف والاتجاهات، إنتقال العادات، إنتقال القيم. يتضح لنا، أن تلك المفاهيم تضعنا في إطار الممارسات والنشاطات الاجتماعية المختلفة، وفي إطار الأبحاث أو الإنتاج أو النشاطات المنزلية والثقافية التي تشكل مرجعًا للنشاطات المدرسية أو بتعبير آخر تشكل الإطار التجريبي وحقل الاختبار الطبيعي أو الرمزي لكل عمل تعليميّ يقوم به ذوي الاختصاص أو المعلّمين المتخرجين من الجامعة، مالكي “معرفة العلماء أما كيفيّة التطور التعليمي لانتقال المعرفة المستوعبة مثل:
- تعميم المحتوى.
- تعميم أهميَّة الفصول الواردة في البرنامج.
- المتغيّرات الممكنة.
تجسّد هذه المحتويات في إطار مراحل متتالية ومترابطة تكوّن في مجملها ظاهرة الإنتقال التعليمي الإرشادي.
نتوقف لحظة لنشرح أهمية التماثل والتطور الدوري بين التعلّم، يضيف عالم النفس Piaget ان العاطفة ضرورية لتنشيط عمل العقل. ويمتلك المتعلّم القدرة على بناء الهيكليات إنطلاقًا من المبدأ القائل إن مصدر المعرفة هو العالم الخارجي والخبرة الشخصية التي من شأنها تغيير الأفكار الموروثة.
تؤدي النظرية التعليمية القائمة على بناء الهيكليات الى نظرية هيمنة الأشياء الخارجية والى وجود التربية المبنية على جدلية الفرد بالنسبة وبالتواصل مع الشيء بمساعدة المعلّم المدرّب والموجه للكفاءات المزدوجة، التنظيمية منها والإصطحابية
هكذا يصبح بمقدور طالب العلم، الاستعانة بالمدرب وبتقنيات المعلوماتية، كتقنية “التيس” حيث يحضّر التلميذ درسًا متكاملًا في التعليم الأساسي، مستعينًا بالحاسوب الإلكتروني، متممًا وضع أصول تحديد المحاور التعليمية بحسب مبادئ النظرية التجريبية العقلية.
يتّضح مما تقدم أن عملية الفهم وإعطاء معنى جديد للعالم المحيط بالمتعلّم، تساهم في تكوين شخصية الفرد الملتزم في مجتمعه والساعي الى العطاء والتغيير في المجالات العلمية والتخصصية عامة حسب شخصية اجتماعية متوازنة: المهندس، الكاتب، المعلم، الطبيب، المهني…
كيف تساعد التربية الأسرية على تكوين شخصية الفرد الاجتماعية المتوازنة؟ تبنى المجتمعات على إيجابيات القبول بالآخر وإرادة التواصل معه والعمل سويًا وليس العكس. فمَن هو الآخر؟
أفراد الأسرة النواة الواحدة، نواة المجتمع الأساسيّة. فالمنزل الأبويّ هو المكان الأول الذي يعيش فيه الطفل ومنه يستمد المكونات الأولى لشخصيته، عبر تواصله مع والديه، اللذان يرعيانه ويوجهان سلوكه في إطار عملية التأقلم الاجتماعي.
أن يهتم الأهل بردّة فعل أولادهم على رسالة تربوية محدّدة تصدر عنهم، يجعل الأولاد يغيرون تصرّفهم الخاطئ أمام تفهّم والديهم للصعوبات المترتبة على فلذة أكبادهم. يرتاح الأولاد حين ينصت لهم أبواهم بطريقة بنّاءة ويحاورونهم حول مشاكلهم، ما يساعد الولد على إضعاف ردّات فعله الانفعالية ومحاولة إرضاء حاجاتهم الملحة. إن من شأن هكذا منحى تربوي مرتكز على تفسير سبب وجود مشكلة لدى الأهل، يجعل من الأولاد عنصرًا مساعدًا لوالديهم بعيدًا عن استعمال القوة الجسدية أو الضرب أو التهديد والعقاب السلبي.