زهير كاظم عبود
بالرغم من ان قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 نص ضمن نطاق تطبيق وسريان القانون من حيث المكان الى الاختصاص الشامل في المادة ( 13 ) منه على تخريب وسائل المخابرات والمواصلات الدولية والاتجار بالنساء او بالصغار او بالرقيق او بالمخدرات ، الا اننا سنحصر بحثنا الموجز فيما يتعلق بجريمة الإتجار بالبشر ، والذي يؤكد سريان احكام القانون على كل من وجد في العراق بعد ان ارتكب في الخارج بوصفه فاعلا او شريكا في جريمة من جرائم الاتجار بالنساء او بالصغار او بالرقيق ، وبأي شكل كان .
ووفق هذا المعنى فان جريمة الاتجار بالبشر من الجرائم المعاقب عليها في القانون العراقي ، ويتم تطبيق نصوص قانون العقوبات على الفاعلين بصرف النظر عن جنسية الفاعل او مكان ارتكاب الجريمة ، والأسباب الموجبة لهذا المبدأ يأتي بهدف مكافحة جريمة الاتجار بالبشر والحد من انتشارها وآثارها ومعاقبة مرتكبي هذا الفعل الخطير الذي يهين الكرامة الانسانية وبغية وضع الآليات التي تكفل مساعدة ضحايا الاتجار بالبشر ، ولغرض عدم افلات الجناة من العقاب والتعاون الدولي بإدانة هذه الافعال ، ولهذا ينبغي توافر عدد من الشروط الواجبة لتطبيق النص منها :
1- ان تقع الجريمة خارج العراق دون اعتبار لجنسية الجاني او كونه فاعل اصلي او شريك مما يدلل على ان الجريمة من الجرائم المدانة دوليا .
2- ان يتحقق وجود الجاني في العراق بعد ارتكابه الجريمة حتى يمكن ان يقوم اختصاص القضاء العراقي في التحقيق والمحاكمة والاجراءات الجزائية .
3- ان يكون الجاني من غير العراقيين حتى يمكن تطبيق الاختصاص الشامل بحقه ، على اعتبار ان العراقي يتم مقاضاته بموجب القانون الوطني طبقا للاختصاص الشخصي في قانون العقوبات .
4- ولايشترط ان يكون الفعل معاقبا عليه في مكان ارتكاب الجريمة مادام القانون العراقي منسجم مع الاتفاقيات والمعاهدات الدولية بتجريم هذه الجريمة ومعاقبة فاعليها .
ولغرض اعطاء صورة مبسطة لجريمة الإتجار بالبشر فقد عرفتها الأمم المتحدة بانها تجنيد ونقل وإيواء أو استقبال الأشخاص من خلال وسائل التهديد أو استخدام القوة أو غيرها من أساليب الإكراه والاختطاف والتزوير والخداع، وعن طريق سوء استخدام السلطة أو استغلال موقف ضعف، أو إعطاء أو استلام دفعات مالية أو خدمات للحصول على موافقة الشخص على أن يسيطر عليه شخص أخر او جهة اخرى من أجل استغلاله جنسيا او استغلاله في العمل القسري أو بإزالة الأعضاء .
وقد برزت ظاهرة الاتجار بالبشر بشكل لافت للنظر في السنوات الاخيرة بالتزامن مع تردي ظروف العراق السياسية وبنتيجة الحروب المتكررة التي حدثت في فترة النظام السابق ، وتزايد ظاهرة هجرة العراقيين طلبا لقبولهم كلاجئين سياسيا او انسانيا .
ووفق الاطار العام للقانون تشكل المتاجرة بالبشر جريمة دولية وانتهاكا خطيرا للقوانين ، حيث تتشعب الى عدة اشكال ، منها ما يتعلق بالمتاجرة بالجنس سواء كان المجني عليه من الفتيات اللواتي لم يبلغن الثامنة عشر من العمر ( سن البلوغ ) اومن الأطفال بشكل عام ، او حتى من النساء اللواتي بلغن السن القانونية ، كما يمكن ان يأخذ الاتجار شكل تجنيد اعداد من البشر بقصد اعمال الخدمة او اعمال السخرة او اعمال قسرية ، ووفق هذه الأشكال يمكن استعمال عدة وسائل لتنفيذ جرائم الاتجار بالبشر منها ما يتعلق بالتزوير أو الاكراه أو التهريب .
وعند معالجة جريمة الإتجار بالبشر وتفصيلها ينبغي علينا معالجة قانونية الجريمة باعتبارها من الجرائم الخطيرة التي يعاقب عليها القانون الوطني وينص على تجريمها ومكافحتها ، وكذلك حول معالجة وضع الضحايا الذين وقعت عليهم الجريمة ، أي ايجاد وسائل واسس لحمايتهم واعادة تأهيلهم بما يحفظ لهم كرامتهم الإنسانية وحقوقهم التي اكد عليها الإعلان العالمي لحقوق الأنسان ، باعتبار ان هاتين الفقرتين في المعالجة تشكلان اسس معالجة ما تعكسه جريمة الاتجار بالبشر وما تتركه من نتائج سلبية على المجتمعات وعلى الضحايا .
وحيث ان جريمة الاتجار بالبشر من الجرائم التي تقع على مجموعة بشرية وعلى بلدان متعددة وتخلف نتائج سلبية مشتركة على هذه المجموعة والبلدان ، ويكون مرتكبيها من المتهمين الذين يمارسون عمليات الاتجار سواء بشكل منظم او بشكل منفرد ، مما يدفع البلدان المختلفة لتضمين قوانينها العقابية نصوصا تعاقب على ارتكاب جريمة الاتجار بالبشر بعقوبات صارمة ، وتتناسب هذه العقوبات مع خطورة الجريمة ، مما يوجب تطوير اساليب ووسائل مكافحة الإتجار بالبشر و تنوع طرق المكافحة والمنع من خلال المؤتمرات واللقاءات والبحوث القانونية ، وتفعيل عملية نشر الوعي القانوني ودور الثقافة القانونية المهم في هذا الجانب ، بالإضافة الى النهوض بالعملية التشريعية بما يتناسب مع خطورة وأهمية تلك الجرائم ومعالجة آثارها .
فالضحايا في جريمة الاتجار بالبشر يشمل كل شخص صغيرا كان او كبيرا ، ذكرا او انثى ، وقعت عليه جريمة المتاجرة بالبشر من قبل جماعة إجرامية تتكون من ثلاثة أشخاص أو أكثر ، يعملون معا في إطار تنظيمي أو بدونه ، للإتجار بالأشخاص بالإضافة الى جميع من يساهم او يشارك او يسهل تلك العمليات .
ووفقا لهذا الأساس فأن استدراج الضحايا ونقلهم قسرا وخطفهم ونقلهم من بلد الى آخر ، بالإضافة الى كل من يساهم في ايجاد اماكن الايواء والإخفاء للضحايا المعدة لهذه الغايات ، جميعهم مشمولين بالنص القانوني المعاقب على الفعل ، ومن الجدير بالذكر انه لا يلتفت لموافقة الضحية في جريمة الإتجار بالبشر ، لأنها تشكل انتهاكا لإنسانية الانسان وتجاوزا على حقوقه المشروعة والتي لا يمكن التنازل عنها .
ان هناك خلطا بين مفهوم الإتجار بالبشر وبين عمليات تهريب البشر التي راجت في الفترة الأخيرة بين الدول ، ومع ان كلا العمليتين مخالفتين للقوانين وتوجبان العقوبة القانونية ، مما يتطلب الفصل بين كل منهما ، حيث ان جريمة التهريب تتطلب موافقة ذوي العلاقة على العملية ، بل ودفعهم اموالا ثمنا لتسهيل واكتمال العملية ، بقصد ايصال الاشخاص المراد تهريبهم الى دولة أخرى لمختلف الأسباب ، الا ان الاشخاص المتاجر بهم لا يعرفون في اغلب الأحيان نوع الأعمال التي سيؤدونها ، وقد يتفق الطرفان على الوسيلة والطريق التي يتم سلوكها للوصول الى الهدف في عمليات التهريب ، في حين لا يتطلب الأمر في عملية الاتجار بالبشر موافقة ذوي العلاقة ، ولا دفعهم اموالا لاكتمال العملية التي تتم قسرا ودون رغبتهم ورغما عنهم ، وليس للطرف المتاجر به معرفة الوسيلة والطريق المراد سلوكها ، وعملية تهريب البشر تتم عبر عدد من الدول ، في حين ان عملية الاتجار بالبشر من الممكن ان تقع ضمن نطاق الدولة نفسها ، بالإضافة الى التباين في نتائج كل عملية ، فعملية تهريب البشر تنتهي بوصول الاشخاص المراد تهريبهم الى المكان المتفق عليه او الى اي مكان اخر ، بينما تستمر عملية الاتجار بالبشر باستغلال الضحايا والمتاجرة بهم واجبارهم على القيام بإعمال قسرية وممارسة القوة والعنف احيانا لإرغامهم واجبارهم على الالتزام بهذه الأعمال .
أن جريمة الاتجار بالبشر اخذت حيزا ملحوظا في التنفيذ والممارسة في الفترة الاخيرة ، وبرزت كظاهرة اجرامية دولية تقوم بارتكابها عصابات منظمة ( مافيات ) تقوم بتجنيد الاشخاص وتنقلهم عبر ممرات دولية غير مشروعة ووفق مخططات منظمه وذلك باستعمال اساليب القوة والعنف والتهديد والخداع ، ويتم تسهيل تلك الاعمال بمساعدة موظفين حكوميين في احيان اخرى باستغلالهم او لقاء تلقي رشاوى ، مع ما يتطلبه الأمر من وجود تواصل ومحطات استراحة واماكن اقامة وعمليات تسهيل وإيواء لأعداد البشر المتاجر بهم ، وبرزت من بين العديد من اشكال جريمة الاتجار بالبشر ، عملية الاتجار البشري بقصد الاستغلال الجنسي ، والعملية الأخرى في المتاجرة بقصد نزع الاعضاء البشرية وبيعها، كما تبرز ايضا ظاهرة الاتجار بالأيدي العاملة الرخيصة سواء منها ما يتم استغلاله في خدمة المنازل او في الأعمال القاسية والتي تكتنفها الخطورة .
وعملية الاستغلال الجنسي اما ان تقع على الأطفال غير البالغين أو انها تقع على النساء البالغات في اغلب الاحيان ، وهذه الجريمة بدأت تأخذ ابعادا خطيرة خصوصا مع تنامي حالة الفقر وسوء الأوضاع الاقتصادية في بلدان متعددة ، وخضوع قسم كبير من المجتمعات الى الحياة القاسية وشظف العيش والحياة دون مستوى الفقر ، وما ينتج عنه من تفكك اسري وشيوع ظاهرة التفسخ الاجتماعي ، مما شكل دافعا قويا للتخلص من هذا المحيط والوقوع فريسة بيد المنظمات المتاجرة بالبشر ، فيتم تسهيل عملية قبول العوائل بزواج فتياتهم القاصرات تخلصا من عبء الواقع المرير ، بالإضافة الى اعتقادهم بإمكانية مساعدتهم مستقبلا بهذه الوسيلة والتخفيف عن كاهلهم ، فيتم بيع الفتيات القاصرات من اجل الزواج أو العمل في شبكات الدعارة بكل اشكالها ، حيث تقوم الفتيات بالعمل في اماكن معدة لممارسة الجنس لقاء الأموال التي تجنيها العصابات التي تدير هذه الاعمال ، واستغلال جسد الفتيات القاصرات ابشع استغلال ، او استغلالهن في مجالسة الزبائن ضمن المراقص والبارات والأماكن السياحية المعدة لمثل هذا الغرض ، أو استغلال الأطفال في الأثارة الجنسية عبر التعري في مواقع الأنترنيت او ابراز الاعضاء الفاضحة او الدعوة لممارسة الدعارة عبر الانترنيت ، وما يمكن الإشارة له ان هناك العديد من الدول يتم استغلال قوانينها في تنظيم عملية الدعارة والسماح بممارستها ومراقبتها ، وتتم عملية الاستغلال من قبل العصابات المشرفة على عمليات المتاجرة بالبشر من اجل توفير النساء لممارسة البغاء ، فتصبح هناك صفة قانونية مشروعة لممارسة هذه الافعال ، تكون الضحية فيها دوما الفتيات المتاجر بأجسادهن من قبل تلك العصابات المنظمة .
وبهذا الأمر يتم منح تلك الافعال المخالفة للقانون شكلا قانونيا وحماية ، في حين ان هناك استغلالا وتجارة يكون البشر ضحاياها وخصوصا تلك المجموعات من الفتيات القاصرات اللواتي من الصعب التعرف على احوالهن ، بالنظر لكون العصابات المنظمة تتبع اقسى الاساليب في سبيل عزلهن وتقييد حريتهن خارج نطاق العمل غير القانوني ، وعدم فسح المجال للسلطات او منظمات المجتمع المدني من التواصل او الالتقاء بالضحايا .
ولعل استغلال تطور وسائل التكنلوجيا في العالم استغلالا سلبيا في عملية تسهيل المتاجرة الجنسية الدولية بواسطة شبكة الأنترنيت ، ما يمكن ان يشكل استغلالا لهذه المرافق العلمية المتطورة لصالح الجريمة المنظمة ، مع ما يظهره من وجود اقبال على ممارسة الاعمال الجنسية مع الاطفال ، مما يسهل عمل شبكات الاتجار بالبشر في عقد الصفقات ومعرفة الاماكن التي يمكن معها المتاجرة بأعداد من البشر تحقق لهم موارد مالية وارباح لقاء عملية الاتجار بهم .
ولهذا عمدت العديد من الدول لمكافحة هذه الظاهرة والسعي للبحث عن اعداد تلك الضحايا بأساليب ذكية وسرية وفاعلة في ملاحقة المتاجرين بها ، غير ان الأمر لم يزل بحاجة الى تكاتف وتعاون وانسجام دولي وفق اتفاقيات ملزمة تهتم بمكافحة هذه الظاهرة .
وعمدت تلك العصابات المنظمة الى اساليب عبر القانون فيتم استغلال ظاهرة المجموعات السياحية للأطفال او الكبار ، وتقوم العصابات بتجريد المجموعة من جوازات سفرها ومن وثائقها القانونية والشخصية ، وحجزها بحيث لا تستطيع المجموعة المتاجر بها من الاتصال بالأهل ، ومن ثم اجبارهم على اقامة علاقات غير مشروعة بزعم انها لوقت محدد او لعدد من المرات ، غير ان الامر يستمر تحت قسوة وقدرة وسطوة الجهات المتاجرة مما يتوجب على الدول الانتباه الى تعدي المجموعة السياحية على الفترة المحددة للتأشيرة السياحية ، والبحث الجدي عن تلك الاعداد لمساعدتهم في انهاء معاناتهم الانسانية واستغلالهم الجسدي من قبل تلك العصابات المنظمة وملاحقتها .
وبالنظر لفداحة الجرائم التي تقع تحت نصوص الاتجار بالبشر ، وحماية لآدمية الانسان فقد ساهم العراق ووقع العديد من الاتفاقيات الدولية التي تساهم في التصدي للانتهاكات المتعلقة بالإتجار بالبشر وحماية حقوق الأنسان ومن اهمها :
البروتوكول الاختياري الأول الملحق باتفاقية حقوق الطفل بشأن بيع الأطفال واستغلالهم في البغاء. واتفاقية منظمة العمل الدولية المتعلقة بإلغاء العمل القسري رقم 105/1957. واتفاقية حظر العمل القسري رقم 29/1930.واتفاقية القضاء على أسوأ أشكال عمل الأطفال 182/1999.
والعراق اليوم مدعو للمساهمة في تفعيل اتفاقية الأمم المتحدة المتعلقة بمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية ، بعد ان تمت قراءة القانون في مجلس النواب ، وفي جلسته المنعقدة بتاريخ 12 تموز 2011، أنهى المجلس القراءة الأولى لمشروع قانون مكافحة الاتجار بالبشر. و بتاريخ 24 شباط 2012 صوت المجلس على مشروع قانون مكافحة الاتجار بالبشر والمقدم من لجنة حقوق الانسان والذي يهدف لمكافحة هذه الجريمة والحد من انتشارها واثارها ومعاقبة مرتكبي هذا الفعل الخطير الذي يهين الكرامة الانسانية ووضع الاليات التي تكفل مساعدة ضحايا الاتجار بالبشر.، ومن الجدير بالذكر أن العراق شارك في اجتماع اللجنة المكلفة بدراسة مشروع الاستراتيجية العربية لمكافحة الاتجار بالبشر في القاهرة المنعقد في شهر نيسان الماضي من العام 2011، بالتعاون مع مكتب الأمم المتحدة لمنع الجريمة ومكافحة المخدرات ، وأن وزارة الهجرة والمهجرين عقدت وشاركت في العديد من ورش العمل والتدريب حول سبل مكافحة الاتجار بالبشر وكيفية التعرف على الضحايا والتعامل معهم.
كما ساهم مجلس القضاء الأعلى في العراق باعتباره السلطة المستقلة الممثلة للقضاء والتطبيق القانوني في العراق من خلال اقامة دورة في معهد التطوير القضائي بالتعاون مع بعثة الاتحاد الأوربي لدعم سيادة القانون فـــــي العراق بعنـــــوان ( مكافحة الاتجار بالبشر ) للفتـــــرة مــن ( 11 ولغاية 15 كانون الأول ) لسنة 2011 بمشاركة عدد من السادة القضاة في مجلس القضاء الأعلى وموظفي وزارة الداخلية ووزارة العمل والشؤون الاجتماعية في العراق ، للمساهمة في تفعيل هذا الجانب بالنظر لما لجريمة الإتجار بالبشر من خطورة .
كما ان لمجلس القضاء في اقليم كوردستان العراق دورا فاعلا ومهما في هذا الجانب ، اذ يتعاون القضاء في الإقليم مع كافة الجهات لمنع ومحاربة هذه الجرائم .
ويتعين على الحكومة العراقية اتباع سياسة فاعلة واتباع ستراتيجية محددة للتصدي لظاهرة الاتجار بالبشر ومكافحتها بأساليب قانونية وفاعلة ، ولتحقيق الغرض المذكور يجب دراسة حالة الضحايا وتصنيفهم وفقا لفئاتهم العمرية والجنسية ، بالإضافة الى معرفة الغايات والاسباب التي تدفع العصابات والاشخاص لارتكاب جريمة الاتجار بهم ، ومن ثم النتائج القانونية المترتبة على تلك الجريمة وتنفيذ الستراتيجية الكفيلة بذلك بما فيها تضمين القوانين العقابية نصوصا تجرم تلك الافعال وتعاقب مرتكبيها ومن يساهم معهم باي شكل من اشكال الاشتراك والمساهمة الجنائية والتطبيق القانوني السليم بما ينسجم مع القوانين والاتفاقيات الدولية ، واتباع برامج علمية ثقافية وقانونية تساهم في خلق حالة من الوعي والحصانة ، بالإضافة الى وسائل التصدي المضاد لتلك الظاهرة .
ولذلك فان التعرف على الوسائل والجهات التي ترتكب بها هذه الجرائم تقع على عاتق السلطات الجنائية المختصة في العراق ، من خلال كوادر تنفيذية تستوعب خطورة مهمتها وتؤدي عملها بشفافية وتطبيق مهني سليم وفقا لمبادئ حقوق الانسان وما تضمنته القوانين من ضوابط وضمانات المتهمين .
ولاينكر ما لأهمية تنظيم حالات الوعي والمساهمة في نشر الثقافة القانونية من قبل منظمات المجتمع المدني للتصدي لهذه الجرائم ، وفضح الاساليب المعتمدة لمرتكبيها ، بالإضافة الى اشكال الاستغلال المعتمدة التي يتم استغلال الضحايا بموجبها ، بالإضافة الى ضورة تكثيف الدورات والندوات المتعلقة بهذا الجانب ، والحاق المختصين بدورات دولية تهتم بمكافحة الاتجار بالبشر ، والتمسك بضرورة التنسيق والانسجام مع المنظمات الدولية المختصة ، بما فيها الأمم المتحدة لتعزيز الشبكة الدولية المضادة للظاهرة والمساهمة في القضاء عليها لتسليط الضوء على طبيعة المشكلة وحجمها والتنسيق في سبيل فعل مشترك تساهم به المنظومة الدولية بشكل فاعل ومؤثر .
وعليه يترتب على جمعيات الدفاع عن حقوق الإنسان العمل على تكثيف الجهود المبذولة في هذا السبيل ، وليس اكثر من استغلال جسد الأنسان ان كانت امرأة أو رجل وتحويلة لسلعة رخيصة يتم تداولها والتحكم بها وبيعها وشراؤها في سبيل ارباح مادية تحققها تلك الشبكات ، والوقوف بحزم وتصدي لمثل هذه الظاهرة ، وتذكر التقارير الواردة من الأمم المتحدة أن العائدات المادية للإتجار بالبشر تبلغ 1200 مليار دولار سنويا ، وهو رقم كبير يضاهي ميزانيات دول عديدة .
كما ان للأعلام الفاعل دورا بارزا ومهما في التصدي لهذه الجرائم ، ومساهم اكيد في عملية نشر الوعي القانوني واشاعة الثقافة ، وتبصير المواطن بمدى خطورة مثل هذه الجرائم على المجتمع .
وتتعرض مجموعات بشرية عراقية بين الحين والاخر الى ان تكون ضحية لعمليات المتاجرة بالأشكال التي برزت في الفترة الاخيرة ، ولعل ظاهرة الاتجار بالفتيات وبيعهن سواء في دول الخليج العربي او سوريا والاردن ، بالإضافة الى عمليات خطف الاطفال المنظمة واستغلالهم في عمليات التسول والجنس ، وليس من باب الصدفة ان تعلن وزارة الصحة العراقية في شهر شباط من العام 2012 عن تفاصيل اعتقال عصابتين لخطف الأطفال إحداهما عبارة عن شبكة دولية قامت باختطاف عدد من الاطفال من مدينة الطب في بغداد وهربتهم الى الاردن.
ووفقا لماذكرته الانباء ان العصابة التي تمارس عملية الخطف والمتاجرة تقوم بتهريب الاطفال اعتمادا على وثائق مزورة ، وتمكنت وزارة الصحة وبواسطة القضاء العراقي وبالتعاون مع شرطة الدولية ( الإنتربول ) من اعادة الاطفال المخطوفين الى اهاليهم بقرار قضائي استند الى فحص الحمض النووي للأبوين (DNA) بالتنسيق مع الأجهزة الأمنية.
وحتى نضع جريمة الاتجار بالبشر في اطارها القانوني يتعين علينا ان ننبه الى خطورة هذه الجريمة التي تعيد الانسان الى عصور الرق والعبودية والاستغلال بعد ان قطع شوطا كبيرا في سبيل ارساء معالم الحقوق والضمانات الانسانية ، واذا كانت المخدرات الوباء الذي يجتاح العالم اليوم ويهدده بالمخاطر التي تجتاح الشعوب ، فان الاتجار بالبشر لا يقل خطورة واهمية منها ، لابل اخطر منها لا نها لا تعتمد على التعاطي والتهريب والاضرار النفسي والعقلي انما تعتمد على تحويل الانسان الى سلعة يتم مقايضتها والتعامل بها وفقا لرغبة المتاجرين والمشترين ، ويتم استغلال الضحايا استغلالا خسيسا يمتهن فيه ادمية الانسان وكرامته وحريته ، سواء باستغلالها في تجارة الجنس بكل اشكالها او في اعمال قسرية دون اجور او باسترقاقهم وعبوديتهم وحجزهم في اماكن نائية بقصد تسخير قوتهم البدنية في اعمال لا يتحملها البشر او تحمل على ارهاق شديد ، وامام اوضاع اقتصادية متردية يتم ممارسة وتمرير تلك الجرائم التي تعدى ضحاياها الملايين من البشر ، بالإضافة الى تنامي المنظمات الاجرامية والاشخاص والشبكات الإجرامية من الذين يرتكبوا مثل هذه الجرائم وازدياد مقدرتهم المالية ونفوذهم .
ولهذا نؤكد على ان التشريع الوطني يمنح الحرية للقضاء وسلطات التحقيق في التصدي لهذه الظاهرة ، وهذا التشريع يساند القوانين والتشريع الوطني ، ومع معرفتنا بأن العملية ليست سهلة او بسيطة مع ما يتوفر لهذه المنظمات والشبكات من امكانيات ووسائل ووجود وسطاء ومساندين ، كما ليس فقط الظروف الاقتصادية والاجتماعية ما يساهم في انتشار مثل هذه الجرائم ، انما يساهم تردي الوضع السياسي والأمني والممارسات الخاطئة التي تسلكها السلطات في اعتماد أساليب القمع والقهر وانعدام الحريات الأساسية للمواطن ، مما يجعل دافعا لمجموعة بشرية من التفكير بالهروب والتخلص من تلك الأنظمة والوقوع في براثن تلك الشبكات .
ووفقا لما ورد نستطيع القول ان المعالجات الأساسية في التصدي لتلك الظاهرة لا يقتصر على المعالجات القانونية مالم يتم دعمها بمعالجات اقتصادية واجتماعية وسياسية ، بالإضافة الى ايجاد وسائل للتكاتف الدولي من اجل تطوير تلك الاساليب التي تقع على المنظومة الدولية ومن هنا يبدو واضحاً أن المعالجات لظاهرة الإتجار بالبشر، ليست كلها معالجات جنائية أو أمنية ، ولكنها بالنسبة لبلدان المصدر ، تستوجب أيضاً معالجات اقتصادية وسياسية تقع على عاتق الحكومات في البلدان المعنية.
ويمكن ان تكون الخطوة التي قررتها الأمم المتحدة بإنشاء صندوق خاص بضحايا الاتجار فى البشر ، لمساعدتهم للتخلص من آثار ما تعرضوا له من تعذيب أو ظلم أو ما تعرضوا له من مشاكل نفسية أو غيرها خطوة جادة ومهمة في سبيل متابعة نتائج وانعكاسات تلك الجرائم على الضحايا من البشر .