حلّ سرايا السلام إعادة تموضع الصدر ومأزق السلاح الموازي في العراق

✍️ أسعد الجوراني

يحمل إعلان السيد مقتدى الصدر حلّ “سرايا السلام” وإدماج عناصرها في المنظومة الأمنية الرسمية دلالات سياسية عميقة تتجاوز الترتيبات التنظيمية الداخلية للتيار. إنها خطوة تقع في قلب الجدل العراقي المزمن حول أحادية السلاح وسلطة الدولة، وتفكيك إشكالية ازدواجية النفوذ بين المؤسسات الشرعية والتشكيلات المسلحة.
القرار في توقيته وسياقه لا يمثل مجرد مناورة عابرة، بل هو محاولة جادة لإعادة تعريف تموضع التيار الصدري في المعادلة السياسية؛ حيث يسعى للتحول من منطق القوة المسلحة ذات النفوذ الموازي إلى فضاء “المشروع السياسي المدني” الأقرب لروح الدولة ومؤسساتها.

تكمن الأهمية الجوهرية لهذا التحول في الرسالة السياسية التي يبرقها التيار الصدري للداخل والخارج. فبعد سنوات من ارتكاز قوته على ثنائية الحشد الشعبي والتنظيم العسكري، يحاول الصدر اليوم إعادة إنتاج التيار بوصفه قوة سياسية مدنية قادرة على التناغم مع المزاج العام العراقي، الذي بات يضيق ذرعاً بانفلات السلاح وتعدد مراكز القرار الأمني.
هذا التحول يمنح التيار مكاسب استراتيجية ومعنوية بالغة الأهمية في أي استحقاق انتخابي أو حراك جماهيري مقبل
حيث يظهره بمظهر القوة الوطنية التي تخلت عن أوراق قوتها العسكرية طواعية لدعم استقرار الدولة ،الصدر هنا ينقل المعركة بذكاء من ميدان (فرض النفوذ بالسلاح) إلى ميدان (الشرعية السياسية والشعبية)، واضعاً منافسيه أمام اختبار علني حرج

يفرض قرار الصدر حرجاً سياسياً وأخلاقياً بالغاً على بقية الفصائل المسلحة؛ إذ يثبت عملياً أن إنهاء المظاهر الفصائلية والاندماج في أجهزة الدولة خيار ممكن وليس مستحيلاً كما يُروّج له. هذا الواقع الجديد يضع تلك الفصائل بين خيارين معقدين:
إما مجاراة الخطوة وما يترتب عليها من تفكيك لبنيتها العسكرية وفقدان السيطرة المباشرة على أوراق قوتها على الأرض.
إما الرفض والتمسك بالسلاح وهو ما يضعها في مواجهة مباشرة مع الرأي العام، ويظهرها بمظهر القوى التي تتخذ من السلاح أداة لحماية النفوذ السياسي لا وسيلة للدفاع الوطني.

ومع ذلك فإن المشهد لا يخلو من تعقيد؛ إذ تختلف سرايا السلام في بنيتها الفكرية والسياسية وعقيدتها الارتباطية عن بقية فصائل الحشد الشعبي. فالعديد من هذه الفصائل يستند إلى شرعية قانونية يوفرها (قانون الحشد الشعبي) ، ويرى في سلاحه جزءاً من معادلة ردع إقليمية ومحلية في بيئة جيوسياسية مضطربة. بناءً على ذلك، لن تكون الاستجابة لدعوات نزع الطابع الفصائلي تلقائية، بل ستصطدم بمقاومة شرسة تحت غطاء استمرار التهديدات الأمنية والحفاظ على التوازن الإستراتيجي.

يمكن قراءة خطوة الصدر أيضاً بوصفها ديناميكية سياسية ذكية لإعادة التموضع. فالتيار الصدري يدرك تماماً أن الشارع العراقي، بعد عقود من الأزمات الأمنية، بات ينحاز بنيوياً لفكرة الدولة المركزية القوية ويرفض المظاهر المسلحة الموازية. وتجريد التيار من غطائه العسكري يتيح للصدر فرصة لتقديم نفسه كزعيم وطني عابر للمحاصصة الفصائلية، مسلطاً الضغوط الداخلية والدولية على خصومه بشأن مصير السلاح المنفلت.

لكن العبرة في النهاية تظل رهينة بالتحول من الإعلان النظري إلى التطبيق العملي المستدام. فالعراق لا يعاني أزمة سلاح معزولة، بل يعاني من أزمة بنية سياسية كاملة تأسست على توازنات القوة والمحاصصة. لذا، فإن أي مشروع حقيقي لتوحيد السلاح تحت راية الدولة يتطلب:
توافقاً وطنياً شاملاً وإرادة سياسية حقيقية من جميع الأطراف.
بناء دولة قوية ومؤسسات أمنية تمتلك القرار السيادي الفعلي دون إملاءات.
بصرف النظر عن القراءات المتباينة والخلفيات الكامنة وراء القرار، يظل إجراء السيد مقتدى الصدر حدثاً مفصلياً أعاد فتح الملف الأكثر حساسية في العراق
سؤال الدولة والسلاح والشرعية. لقد وضع هذا القرار الجميع أمام مواجهة حتمية مع الذات: هل الأولوية القصوى هي لبناء دولة تحتكر القوة وتمارس سيادتها عبر مؤسساتها الدستورية
، أم لاستمرار توازن الرعب وفوضى السلاح كعنصر ثابت في الصراع على السلطة؟

قد يعجبك ايضا