حين يصبح الفساد أقوى من الدولة

د. محمد صديق خوشناو

العراق ليس بلداً فقيراً، بل وطناً يطفو على بحرٍ من الثروات، لكنه أُنهك لعقود تحت وطأة الفساد وسوء الإدارة وغياب المحاسبة الحقيقية.
فالمشكلة لم تكن يوماً في قلة الموارد، بل في كيفية نهبها وتحويلها إلى غنائم تتقاسمها شبكات النفوذ والمصالح الضيقة.

كان من المفترض أن تتحول عائدات النفط إلى مدارس حديثة، ومستشفيات متطورة، ومدن تليق بالعراقيين، لكن المليارات تبخرت بين العقود الوهمية، والصفقات المشبوهة، والمحاصصة التي جعلت الدولة تُدار بمنطق الغنيمة لا بمنطق المسؤولية الوطنية.

وجاءت قضية “سرقة القرن” لتكشف أمام العراقيين حجم الكارثة التي تضرب مؤسسات الدولة.
لم تكن مجرد عملية اختلاس مالية، بل كانت دليلاً خطيراً على أن الفساد لم يعد حالات فردية معزولة، بل أصبح منظومة متشابكة تمتلك الحماية والنفوذ والقدرة على الإفلات من العقاب.

واليوم، ومع تولّي رئيس الوزراء العراقي الجديد السيد علي فالح الزيدي مسؤولية الحكومة، تتجه الأنظار إلى البرنامج الاستراتيجي الذي أعلنته حكومته لمكافحة الفساد وإعادة هيبة الدولة.
فالعراقيون لا ينتظرون خطابات جديدة بقدر ما ينتظرون خطوات عملية تعيد الثقة بالمؤسسات، وتؤكد أن مرحلة الإفلات من العقاب لا يمكن أن تستمر إلى ما لا نهاية.

إن أي مشروع إصلاحي حقيقي لن يُقاس بعدد التصريحات واللجان، بل بقدرة الدولة على الوصول إلى الرؤوس الكبيرة قبل الموظفين الصغار، وبقدرتها على استرداد الأموال المنهوبة، وتفعيل الرقابة، وتعزيز استقلال القضاء، وإبعاد مؤسسات الدولة عن هيمنة المصالح الحزبية والسياسية.

ومع كل حكومة جديدة، تتكرر ذات العناوين:
وعود بالإصلاح، لجان تحقيق، فتح ملفات، تصريحات نارية… ثم يبدأ الصمت التدريجي حتى تختفي القضايا من الواجهة، وكأن شيئاً لم يكن.
حتى بات المواطن العراقي يشعر بأن الفساد في بلده لا يُحارَب، بل يُعاد تدويره بصيغٍ مختلفة وأسماء جديدة.

إن ما يعيشه العراق اليوم ليس أزمة خدمات فقط، بل أزمة ثقة عميقة بين المواطن والدولة.
فالمدارس المتداعية، والمستشفيات العاجزة، والبنى التحتية المنهارة، وأزمات الكهرباء والمياه والبطالة، ليست نتيجة نقص الأموال، بل نتيجة غياب الإدارة النزيهة وسيطرة المصالح الحزبية على مفاصل الدولة.

في الدول التي تحترم القانون، لا أحد يبقى فوق المساءلة.
رؤساء دول ورؤساء حكومات ووزراء مثلوا أمام القضاء، وبعضهم دخل السجن بعد إدانتهم بقضايا فساد أو استغلال للسلطة، كما حدث في كوريا الجنوبية وفرنسا والبرازيل وغيرها من الدول التي أدركت أن هيبة الدولة تبدأ من هيبة القانون، وأن حماية المال العام ليست شعاراً سياسياً بل أساس بقاء الدولة نفسها.

أما في العراق، فما تزال معركة مكافحة الفساد تصطدم بجدار المصالح السياسية وتشابك النفوذ الاقتصادي وضعف استقلالية بعض المؤسسات الرقابية، الأمر الذي حوّل كثيراً من ملفات الفساد إلى ضجيج إعلامي أكثر من كونها قضايا تُحسم بأحكام عادلة ورادعة.

إن بناء دولة قوية لا يبدأ بالخطب والشعارات، بل بترسيخ مبدأ واحد لا يمكن التنازل عنه:
لا أحد فوق القانون.

فالدولة التي تعجز عن حماية المال العام، تفقد تدريجياً احترام مواطنيها وثقتهم، وعندما تنهار الثقة، تصبح كل مشاريع الإصلاح مجرد بيانات مؤقتة لا تغيّر الواقع.

العراق اليوم أمام فرصة جديدة واختبار حقيقي؛ فإما أن يتحول برنامج مكافحة الفساد إلى قرارات جريئة تُعيد للدولة هيبتها، أو يبقى مجرد عنوان سياسي يُضاف إلى سلسلة الوعود التي لم تغيّر واقع العراقيين.

قد يعجبك ايضا