تزرين يعقوب سولا
أثارت حادثة التحرش المتداولة في البصرة موجة واسعة من الغضب والاستنكار، وهو أمر مفهوم ومشروع، فكرامة المرأة خط أحمر لا يجوز المساس به تحت أي ظرف. غير أن ما يدعو للتأمل هو الطريقة التي جرى فيها تقديم المشهد، وكأن مقطعًا مصورًا قصيرًا بات كافيًا للحكم على مدينة كاملة، بل وعلى مجتمع بأسره.
قد لا تكون الحادثة – كما تم الترويج لها – مكتملة الصورة. فالمقطع المتداول لا يوضح السياق الكامل لما جرى، ولا يُظهر بوضوح إن كان جميع الشباب الموجودين مشاركين في الفعل المشين، أم أن عددًا منهم كان في صدد حماية الفتاة ومنع الاعتداء عليها. وفي زمن السرعة الإعلامية، كثيرًا ما يُقتطع المشهد من سياقه، وتُبنى عليه روايات جاهزة تخدم الإثارة أكثر مما تخدم الحقيقة.
فمن واقع تجربة شخصية.. العام الماضي كنا في رحلة إلى البصرة والاهوار، وكان أغلبنا من النساء، ولم نلقَ في الشارع أو السوق أو المطاعم سوى الاحترام والتقدير. لم نشهد سلوكًا عدوانيًا، ولا تجاوزًا، بل وجدنا مدينة تحكمها الغيرة الاجتماعية والأعراف الأصيلة التي ما زالت تحمي المرأة وتقدّرها. وهذه التجربة ليست استثناءً، بل هي ما يعهده كثيرون ممن يعرفون البصرة عن قرب.
لا يمكن إنكار وجود حالات تحرش في أي مجتمع، فذلك واقع عالمي مؤسف، لكن الخطورة تكمن في تعميم الفعل الفردي على جماعة بأكملها، وتشويه صورة مجتمع عُرف تاريخيًا بغيرته ونخوته.
الإعلام، حين يختار زاوية واحدة، قد يظلم الحقيقة، وحين يضخم الحدث دون تحقق، قد يتحول من ناقل للخبر إلى صانع للأحكام المسبقة. إن الدفاع عن المرأة لا يكون بتشويه المجتمع، كما أن حماية المجتمع لا تكون بإنكار الخطأ إن ثبت. المطلوب هو تحقيق مهني، قراءة هادئة للمشهد، ومساءلة عادلة للمسيء إن وُجد، مع إنصاف من وقف في صف الحماية لا الإدانة.
هذه قراءتي للمقطع، وهذا ما عهدناه من المجتمع البصراوي، بل والعراقي الأصيل عمومًا. وأتمنى أن تكون هذه القراءة صائبة، لا دفاعًا عن خطأ، بل دفاعًا عن حقيقة لا يجوز أن تُختصر في ثوانٍ مصوّرة أو عناوين مثيرة.
مشرفة تربوية