صناعة الاهداف النبيلة

محمد علي جواد تقي

أجمل ما في هذه الحياة الدنيا ارتكازها على شيءاسمهالهدف؛ يبعث روح الأمل في النفوس، ويدعوالى الحركة والعمل؛ على صعيد الفرد، وعلى صعيدالجماعة لتظهر النتائج حسب مستوى العمل وحجمالهدف المنشود بالعيش في حياة حرة كريمة.

بالمقابل؛ نلاحظ النقيض؛ الفوضى في الحياة،والعيش في اللامعلوم، او البعض يختار لنفسهسعادة في حياته يحصل عليها بالأقساط! من خلالمفهومعيش اللحظة، او عِش يومك، ولا تتعبنفسك بالتخطيط والبرمجة و رسم المستقبل الجميللئلا تصطدم بالفشل! فيما البعض الآخر ينتظرحمامة الحظ السعيد تحطّ على كتفه ليحصل علىالتعيين الحكومي (الوظيفة)، ثم ليضمن حاضرهومستقبله بالراتب الشهري الحكومي المضمون،وفيما بعدالتقاعد، أو في ضربة حظ، ترتفع قيمةالعملة الصعبة او الذهب ليبيع ما عنده ويجنيأرباحها.

هنا يأتي نُبل الهدف، وصفاء الرؤية المستقبليةالمنبعثة من الفطرة السليمة لتحسم الأمر داعيةالانسان لاختيار الأسمى من الاهداف في الحياةبما يضمن مصلحة الفرد في تحقيقه آماله وتطلعاته،وبما يضمن مصلحة المجتمع عندما يشمله محاسنالسمو بخلاف مساوئ الانحطاط في أهداف من نوعآخر، وهو ما نلاحظه جلياً في الطبقة السياسية فيالدولة، والطبقة الثرية في السوق، البعض منهم؛طبعاً، وليس كلهم.

البداية تحدد النهاية: الغايات النبيلة

كما هو البناء ، اذا كان الأساس سليماً وفقالمواصفات العلمية، يحصل الاطمئنان بسلامة البناءالمشيّد عليه مهما علا، فاذا كانت بداية مسيرةالزواج، او مسيرة طلب العلم، او مشروع التجارة،سليمة، فان النهاية المتمثلة بتحقيق الهدف، تكونسليمة بالضرورة، والعكس بالعكس عندما لا تتحددلهذا الهدف غاية نبيلة فتكون الرؤية غير متكاملة، لأنالهدف لوحده لا يحقق شيئاً، وهي مسألة منطقية،فمن يركب الطائرة لزيارة بلد ما، ويصل الى مقصدهفانه بلغ هدفه من الرحلة، وعند وصوله المطار عليهتحديد السبب الذي من أجله جاء الى هذا البلد اوالمدينة، بل ويفترض ان تتحدد الغاية مسبقاً، وإلاكانت رحلته عبثاً، وقد وصفها سماحة آية الله السيدمرتضى الشيرازي في كتابه القيّم؛ بحوث فيالعقيدة والسلوك، بـفلسفة الهدف، مسترشداًبالآية القرآنية: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّلِيَعْبُدُونِ}، ومؤكداً دعوة قرآنية لأخذ هذه المسألةبنظر الاعتبار قبل الانطلاق بأي مشروع في الحياة،ففي هذه الآية الكريمة يكشف البارئعزوجلعنالغاية من هدف الخلق جميعاً، فالعبادة ليس الهدفالنهائي من خلق الانسان، لأنالهدف الذي هوعبادتيليس لأجلييقول البارئ تبارك وتعالىوإنما هو لأجلك أنت أيها الانسان، ويعود بالفائدةعليك لا عليّ“.

هذه الرؤية الخاصة للهدفية في الحياة تجعلها مفيدةللجميع، ولن تلحق الضرر بأحد، بخلاف الغايات غيرالنبيلة فانها تسبب الدمار والموت والضياع، والأمثلةلا تُعد نعيشها جميعاً في بلداننا المأزومة سياسياواقتصاديا وأمنيا، فمن الجدير بنا كأفراد فيالمجتمع أخذ العبرة من أصحاب القوة والاقتدار فيمآلات مشاريعهم الجهنمية، وكيف أنهم ساقوا البلادوالعباد للويلات من اجل تحقيق غايات خاصة بهم،وفي نفس الوقت الوقوف عند حقيقتينمن جملةحقائقحول ضرورة توخي الحذر من التوجه نحوغايات من هذا القبيل:

الحقيقة الأولى: أن الغايات غير النبيلة تدفعبصاحبها بقوة نحو تبرير الوسيلة، لأن الوصول هوالمهم مهما كلف الأمر، بينما نلاحظ من يرسموناهدافاً بغايات نبيلة، و وسائل مشروعة ربمايواجهون عقبات كأداء في الطريق، فيتعاملون معهابما يرضي الله، ويرضي ضمائرهم، أو الاضطرارللترجّل من المسيرة، او اختيار مشروع آخر.

الحقيقة الثانية: غالباً ما تصنع الغايات غير النبيلة،ما يشبه الاهداف، هي أقرب الى الأحلام والأمنياتمنها الى تطلعات الناس في توفير العيش الكريم فيظل اقتصاد مشرّف، ونظام حكم عادل بنسبة مقبولة،وهذا ديدن الساسة في الحملات الانتخابية لحاجتهمالملحّة لأصوات الناخبين، فهم يطلقون الوعودالانتخابية الرنانة مثل؛ مكافحة الفساد، وتحكيممعيار الكفاءة في اختيار الوزراء والمدراء، وأن يكونالبلد مثل العراق، ذو سيادة على أمواله وقراراته،ويتحول الى بقعة من الجنان! وكل هذا وأمثاله، لايتوافق مع الواقع السياسي والاقتصادي الذييعيشه العراق في ظل تقاطع المصالح الاقليميةوالدولية، بل ولا مع الغاية من إقامة النظامالديمقراطي في هذا البلد اساساً على يد الولاياتالمتحدة الاميركية!

النوايا: مصنع الأهداف والغايات

في سلسلة الاجراءات اللازم اتخاذها لتحقيق مايريده الانسان في حياته، وبعد تحديد الهدف، ثمالغاية، نصل الى الحلقة الاخيرة الموصلة بين البدايةوالنهاية، وهي؛ النيّة من الوصول الى الهدف، والنيّةمن تحقيق الغاية.

فالطالب يدرس ويتطلع الى النجاح بدرجات عاليةلتحقيق هدفه بالوصول الى الجامعة في الكليةالمرموقة المترسخة في قلبه ونفسه، ثم تحقيق غايتهمن الدراسة الجامعية بأن يكون شخصية مرموقة فيالمجتمع، كأن يكون طبيباً، او مهندساً، او رجلقانون، أو عالماً في الاقتصاد او الاجتماع، وما الىهذا من اختصاصات علمية، وحتى في المجالاتالانسانية؛ كأن يكون عالم دين متبحّر، او خطيبمفوّه، او كاتب نحرير، او فنان مبدع، كل هذهالعناوين تمثل لافتات عالية ترفرف في النفس، بيدأن نداءً كامناً يسأل عن طريقة تعامله مع هذه الغايةالقصوى؟ وكيف سيتصرف مع الناس خلال تعاملهمعهم ضمن اختصاصه؟

هذه الاسئلة وأمثالها تحددها النيّة في نفسصاحبها، ومع أنه مفهوم ديني، فهو مطلب عقليومنطقي لابد منه لتحديد هوية العمل في الواقعالخارجي، وما اذا كان لخدمة المجتمعمثلاًأملخدمة ذات الشخص نفسه، واحياناً تتوسع دائرةالخدمة الى أطراف خارجية غير مرئية في دهاليزالسياسة والاقتصاد، وما أكثرها هذه الايام، ولعلهذا يكون السبب في إخفاء البعض للدوافع الحقيقيةلأعماله خلال مسيرته التعليمية، او في مسيرتهالتجارية، وحتى في مسيرته السياسية متمثلة فيخوض الانتخابات، او تقديم نفسه كمرشح لمناصبادارية في مؤسسات الدولة.

بينما نجد الدين في منظومته الاخلاقية يسلط الضوءعلى النيّة أكثر من تحديد الهدف او الغاية، كونهاترتبط بشخص الانسان، وحاجته للتهذيب والتقويمليضمن عدم انزلاقه في المهاوي او المتاهات بدعوىالحصول على مكاسب أو امتيازات، و أرى هذا منمصلحة الانسان الطامح الى النجاح الحقيقي فيحياته، وليس الادعاء العاطفي على طرف اللسان،ففي القرآن الكريم إشارات عديدة على تأكيد السماءبضرورة تنقية النوايا في السرائر قبل العمل اواتخاذ أي قرار حتى لا تذهب الجهود والتضحياتسدى، وهو التحذير الذي جاء في غير آية كريمةتخاطب المؤمنين، منها: {أَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّامَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ}، هذه الآية فيسورة الرعد تخاطب المؤمنين في المدينة ممن كانوايعيشون مع النبي الأكرم، يرونه ويسمعون كلامه،ولكنهم في حسابات السماء كمن لا إيمان له.

من أجل هذا يدعو القرآن الكريم الى اختبار الصدقفي النوايا بين المؤمنين، كما في الآيات الكريمة فيسورة الاحزاب التي تتحدث عن أيام الجهاد في عهدرسول الله، صلى الله عليه، وتحديداً الآية الكريمةالتي تتحدث الرجال الصادقين ممن استرخص روحهفي سبيل الله، وطالما نتلوها في المجالس والمحافلمستذكرين الشهداء: {مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَاعَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْيَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً}، فالصدق جاء هنا مقروناًبالتبديل في مرحلة ما بعد الجهاد، او انتهاء المعركة،او تحقيق الغاية النهائية، كأن تكون الاطاحةبالديكتاتورية والحاكم الظالم، فأن يكون الانسانمؤمناً بقضيته العادلة، ومُجداً في عمله، وواضحاًفي غايته، لا يكفي في تحقيق الاهداف النبيلةوالسامية اذا مال بنظره الى من حوله متسائلاً عماحصلوا عليه من مكاسب فيما هو يضحي ويبذلالجهود والدماء، فهو يخاطب نفسه، بأن اذا كانالآخرون يتاجرون بدمائنا وجهودنا، فما الفائدة منالعمل في سبيل الله؟!

إن من لم يفكر بهذه الطريقة، وعزم النيّة على العملللهتعالىوحده لا لغيره، هو الذي أسهم في بقاءالتراث الشيعي الثرّ من الاندثار طيلة القرون الماضيةرغم قساوة الظروف، وله الفضل اليوم في بقاء بعضمظاهر التديّن في الواقع الاجتماعي، ومسحة منالثقافة الاسلامية في الشارع مع وجود الكم الهائلمن الاعمال والمساعي من أطراف ذات امكاناتهائلة لخلق واقع اجتماعي بعيد عن القيم الاخلاقيةوالدينية طيلة عقود طويلة من الزمن.

وحتى سياق الخطاب القرآني حول التحقق منالنوايا، تبين الآية الكريمة التالية الوعد الإلهي بأن{لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْشَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً}، فمنيكون صادقاً في نواياه هو الذي يفلح في النهاية،ويتخلّد، هو وأعماله، فيما يتساقط اصحاب المظاهرالخادعة والمظللة مهما كانوا وبلغو

قد يعجبك ايضا