محمد علي محيي الدين
في مدينة الحلة، عند ضفاف الفرات، وفي محلة الكلج من صوبها الصغير، ولد السيد خليل إبراهيم المشايخي النعيمي الحلي الموسوي يوم الثامن والعشرين من نيسان عام 1947. هناك، بين أزقة الحلة ومدارسها الأولى، تفتّح وعيه على اللغة والأدب. ابتدأ دراسته في مدرسة الفيحاء الابتدائية، ثم واصل تعليمه في متوسطة الفيحاء للبنين، ليكمل المرحلة الإعدادية في إعدادية الحلة للبنين سنة 1965.
قادته خطاه بعد ذلك إلى جامعة البصرة – كلية التربية، قسم اللغة العربية، حيث تخرج سنة 1969 حاملاً شغفًا بالكلمة، متأهبًا لرحلة طويلة في ميدان التعليم والبحث. وفي نيسان 1970 بدأ مشواره التربوي مدرسًا للغة العربية في مدينة الديوانية، قبل أن تفتح له الأقدار باب الغربة حين أوفد إلى الجزائر عام 1971، فظل فيها حتى 1975 معلّمًا وسفيرًا للغة العربية. وحين عاد إلى العراق، واصل رسالته في التعليم بين مدارس الوطن، قبل أن ينال شهادة الماجستير في اللغة العربية وآدابها من جامعة بابل، ثم شهادة الدكتوراه من كلية الأديان – الجامعة الحرة في هولندا.
لم يكن المشايخي مجرد معلم، بل كان صوتًا لغويًا أصيلًا ووجهًا بارزًا في ساحة الثقافة. فقد عمل خبيرًا لغويًا في مكتبة أمير المؤمنين العامة وفي العتبة العلوية – شعبة الشؤون الفكرية والثقافية، كما مارس دوره التربوي مشرفًا اختصاصيًا للغة العربية في تربية بابل ثم الديوانية، حتى أحيل إلى التقاعد بعد رحلة مكللة بالعطاء.

وإلى جانب عمله التعليمي، حمل قلمه في دروب النقد والتحقيق والشعر، فكان عضوًا في اتحاد الأدباء والكتاب العراقيين، وعضوًا في مركز الأمير لإحياء التراث الإسلامي، ومؤسسة كاشف الغطاء في النجف.
مؤلفاته وبحوثه
ولقد امتد نتاجه الفكري في ميادين متعددة، منها النقد والتحقيق والسير والشعر. ومن أبرز مؤلفاته:
محمد مهدي البصير وجهوده النقدية، ماهية الصوت والفرق بين الضاد والظاء، جمرة الشعر في موقد الحزن (مقالات نقدية) الفصول الرائقة في الأمثال العامية الدارجة في العراق، وفي ميدان التحقيق صدر له: رسالة في فن التجويد، زيد بن علي عليه السلام، الإسماعيلية، الإمامة، وديوان شعر أينطفئ الذهب، وكتاب بالمشاركة تحت عنوان جغرافية الخراب، اضافة لسير عدد من أعلام التاريخ الإسلامي: عمرو بن الحمق الخزاعي، المختار الثقفي، ميثم التمار، مالك الأشتر النخعي. وله تحت الطبع مؤلفات منها: أوراق نقدية، المستوى الدلالي عند علماء البلاغة العرب، الحلة في الشعر الحلي، فضلًا عن عدد من التحقيقات التراثية.
يرى النقاد في تجربة المشايخي جمعًا بين صرامة المحقق ورهافة الشاعر؛ إذ نهل من التراث العربي ليعيد تقديمه بوعي معاصر، وفي الوقت نفسه أفسح قلبه للشعر ليعبر عن قلقه الإنساني وأشجانه. وقد أشاد الدارسون بقدرته على معالجة النصوص التراثية بروح الباحث الدقيق، مع حفاظه على أصالته اللغوية، حتى عُدّ من الأصوات التي أعادت للتراث قيمته في ضوء مناهج البحث الحديث. أما في الشعر، فقد رأوا في ديوانه أينطفئ الذهب انعكاسًا لمعاناة إنسانية تتوهج بالرمز وتستند إلى بنية كلاسيكية مطعّمة بروح معاصرة.
هكذا، تماهى خليل المشايخي مع الحلة التي أنجبته؛ مدينة تتقاطع فيها العراقة مع الحداثة، فجعل من سيرته العلمية والأدبية جسرًا يصل الماضي بالحاضر، والكلمة بالروح، والبحث بالشعر.