الناقدة اللبنانية يمنى عيد

سيد كريم عذاب الزاملي الموسوي.

اضواء على النقد .
تُعدّ الناقدة والباحثة اللبنانية يُمنى العيد واحدة من أهم الأصوات النقدية التي أسهمت في تشكيل الوعي الأدبي العربي منذ سبعينيات القرن الماضي. فقد كرّست مشروعها العلمي لتأصيل قراءة نقدية ذات بعد نظري ومنهجي، تجمع بين التحليل البنيوي والمقاربة السوسيولوجية للنص، مع اهتمام خاص بالسرد العربي وتحولاته. وانطلاقاً من خبرتها الطويلة واشتغالها الأكاديمي الرصين، تتوقف العيد في كتابها إضاءات نقدية أمام مشهد النقد الأدبي العربي المعاصر، لتقدّم قراءة تشخيصية تنمّ عن قلق معرفي حقيقي تجاه ما آل إليه هذا الحقل.
ترى العيد أنّ النقد العلمي، بما هو بحث أكاديمي يقوم على التحليل العميق والنفاذ إلى بنية النص، يعيش اليوم حالة تراجع واضحة، في مقابل هيمنة الرواية على المشهد الثقافي. فمعظم الكتّاب ــ كما تلفت ــ باتوا يفضّلون خوض تجربة كتابة الرواية لما تحمله من شهرة وانتشار وجاذبية، على الانخراط في مشروع نقدي يتطلب جهداً منهجياً وتكويناً معرفياً وقراءة موسّعة. ومن هنا تشير إلى أنّ ما يُقدّم اليوم تحت مسمى “نقد” ليس سوى انطباعات آنية و”آراء مبعثرة” لا تسعى إلى اقتحام أعماق النص أو مقاربة أسئلته المركزية، بل تبقى على سطحه، مكتفية بإشارات موجزة لا ترقى إلى الدراسة العلمية التي عرفها جيلها من النقاد.
وتؤكد العيد أنّ الكتابة النقدية الراهنة تشبه “تلويحة من بعيد” أكثر مما تشبه بحثاً متكاملاً، إذ يفتقر كثير منها إلى المنهج، والمرجعية النظرية، وسياق الإحالة إلى المراجع والمفاهيم، وهو ما يجعلها ــ وفق تعبيرها ــ أقرب إلى تدوينات ذوقية منها إلى خطاب نقدي. أما النقد الحقيقي، فهو عندها فعل معرفة مرتبط بالواقع الاجتماعي والثقافي، وحركة التحولات العميقة التي تلامس الإنسان وعلاقته بالنص.
وفي تناول سيرتها الذاتية التي كتبتها بروح سردية أقرب إلى الفن الروائي منها إلى الكتابة التوثيقية، تكشف يمنى العيد عن حضور النقد في ثنايا هذا السرد، وإن بدا في الظاهر متواريًا. فهي ترى أنّ السيرة لا تقتصر على التفاصيل الحياتية، بل تحمل بنية نقدية تتجلى في تداخل “التسجيل” مع “التحليل”، وفي إعادة بناء الواقع اللبناني من خلال تجربة ذاتية تتشابك مع السياق العام. وقد تناولت في سيريها ملامح لبنان الحديث، وصوّرت صيدا التي شهدت طفولتها وبيروت التي احتضنت مسيرتها العلمية، مقدِّمة صورة مركّبة عن البلد الذي بقيت فيه رغم حرب امتدت خمسة عشر عامًا.
وتشير العيد إلى أنّ كتابتها للسيرة لم تنطلق من مخطّط مسبق، بل جاءت استجابة لحاجة داخلية إلى “قصّ الحكاية”. ولما فرغت من كتابها، حملت شيئاً من التردد في عرضه على ناشرتها رنا إدريس، معتقدة أن العمل يعبر عن ذاتها الشخصية ولا يمثل قيمة للآخر، قبل أن تدرك لاحقًا أن تجربتها الفردية تحمل بعدًا إنسانيًا وثقافيًا يجعلها قابلة للقراءة خارج إطار الخصوصية.
صوم الكاتب.
وفي سياق الحديث عن المستقبل، تعبّر العيد عن شعورها المتزايد بالتعب، وعن تراجع رغبتها في خوض مشاريع كتابية واسعة، مؤكدة أنّ قدرتها السابقة لم تعد كما كانت، وأنها تكتب الآن، إن كتبت، بدافع ذاتي لا بقصد النشر. فهي ترى أنّ نشر نصّ أدبي لا يرقى إلى مستوى أعمالها السابقة، مثل أرق الروح، أمر لا ترغب في الإقدام عليه، حرصًا على القيمة الفنية والأدبية التي مثّلتها تجربتها النقدية والكتابية طوال عقود.
والى قلم اخر من اقلام وطننا العربي ومشرقنا الاسلامي.كتب في فضاء الحرية.

قد يعجبك ايضا