قراءة في كتاب : تطبيق نظرية التلقي في الأدب الديني الإيزيدي

حسو هورمي

بعد إتمام قراءتي لهذا الكتاب، أدركتُ بعمق أن هناك من لا يزال يحمل اهتمامًا حقيقيًا وجادًا بالأدب الديني الإيزيدي، ويسعى إلى مقاربته بمنهجيات علمية رصينة تضفي عليه قيمة معرفية تستحق الوقوف عندها. فقد تبين لي أن هذا العمل يشكل إضافة نوعية في مجال الدراسات الإيزيدية، لما يحمله من جهد بحثي منظم يرتقي في مستواه إلى الأطاريح الجامعية المتقدمة، بل ويصلح أن يكون ضمن نواة منهج أكاديمي متكامل لتأسيس حقل معرفي يُعنى بـ”الإيزيديولوجيا” بوصفه تخصصًا مستقلًا.
ومما زاد من أهمية هذه التجربة أن مؤلف الكتاب شمال خمو خضر هو باحث شاب وطالب دكتوراه في جامعة دهوك، وقد استطاع بأسلوبه العلمي الرشيق، ولغته البحثية المتزنة، أن يقدم دراسة تجمع بين الأصالة والمنهجية الحديثة. لقد وجدتُ في طريقته في العرض والتحليل ما يستحق الإشادة، ولامستُ فيه روح الباحث الجاد الذي يضيف إلى مجاله ولا يكتفي بالتكرار أو النقل.
إن هذا الانطباع الإيجابي هو ما دفعني إلى إعداد هذه القراءة في كتابه الموسوم “تطبيق نظرية التلقي في تطبيق نظرية التلقي في الأدب الديني الإيزيدي”، رغبة مني في تسليط الضوء على قيمة هذا الجهد العلمي وإبراز ما يحمله من إسهامات تستحق أن تُعرف وتُناقش.

البطاقة التعريفية
1- الكتاب:
تطبيق نظرية التلقي في الأدب الديني الإيزيدي
من إصدرات مركز بيشكجي للدراسات الإنسانية – جامعة دهوك
الطبعة الاولى 2022
لغة الكناب: الكوردية
عدد الصفحات 278 من القطع الكبير
الكاتب:
مدرّس في جامعة دهوك، كلية اللغات، قسم اللغة الكردية.
مواليد 1986 في قرية شاريا القديمة بمحافظة دهوك.
حاصل على بكالوريوس في اللغة الكردية وآدابها من جامعة دهوك 2009–2010، وماجستير في الأدب الكردي بتركيز على الأدب الديني للإيزيديين من معهد اللغات الحية بجامعة ماردين أرتكلو 2018.
طالب دكتوراه في جامعة دهوك، كلية اللغات، قسم اللغة الكردية ، وباحث حالياً في مركز بيشكجي للدراسات الإنسانية بجامعة دهوك.
شارك في عدة أنشطة ومؤتمرات علمية محلية وإقليمية، وله أعمال أكاديمية متنوعة تشمل كتباً وبحوث ودراسات منشورة .

ماهية نظرية التلقي
نظرية التلقي تُعد إحدى الاتجاهات النقدية الأدبية التي ظهرت في النصف الثاني من القرن العشرين، وتألق حضورها بشكل خاص ضمن مدرسة جمالية التلقي في جامعة كونستانز الألمانية، بفضل جهود هانز روبرت ياوس وفولفغانغ إيزر. تنبثق الفكرة المركزية لهذه النظرية من أن معنى النص الأدبي ليس حكرًا على المؤلف فقط، ولا يقتصر على بنية النص ذاتها، بل يتبلور من خلال عملية القراءة والتفاعل بين القارئ والنص، مستندًا إلى خبرات القارئ وثقافته وما يُعرف بـ”أفق توقعه”، الذي يتشكل من تجاربه المعرفية والاجتماعية والتاريخية.

تشير النظرية إلى أن النص يحتوي على فراغات دلالية أو مساحات مفتوحة تتطلب من القارئ ملؤها، مما يجعل القارئ جزءًا أساسيًا في عملية بناء المعنى، وهو ما أطلق عليه إيزر مفهوم “القارئ الضمني”. بذلك يتحول النص إلى تجربة متجددة، حيث تتغير دلالاته باختلاف القراء والأزمان، مما يؤدي إلى تنوع في التأويلات ويؤكد الطبيعة التفاعلية للأدب، الذي يفقد قيمته إذا غاب المتلقي.
وقد أحدثت هذه النظرية تحولًا كبيرًا في النقد الأدبي، إذ أعادت توجيه الاهتمام من المؤلف والنص إلى فعل القراءة نفسه، مبرزةً الطبيعة الديناميكية للمعنى وتطور العلاقة بين النص وجمهوره مع مرور الزمن.

وصف عام للعمل
يتجلّى إبداع المؤلف في هذه الدراسة من خلال فصول متسلسلة ومتماسكة، تبدأ بمقدمة ومدخل يهيئان القارئ إلى عالم الدين الإيزيدي، ثم تتلوهما توضيحات وتعريفات دقيقة لعدد من الطقوس والمعتقدات والكتب والمقدسات الدينية الإيزيدية، فضلاً عن الأعياد ومراحل نشوء وتطور هذه الديانة العريقة. يضع المؤلف القارئ أمام صورة واضحة عن البنية التاريخية والثقافية والدينية للإيزيدية، معتمداً أسلوباً علمياً سلساً يجعل المتلقي يشعر بالاطمئنان والارتياح، ويغريه بالغوص أعمق في النص.

البنية الثلاثية للدراسة
بعد سياق المقدمة والتعريفات، يتفرع العمل إلى ثلاثة أقسام رئيسية، تتكامل لتقديم دراسة شاملة:
القسم الأول: يركز على الأدب الإيزيدي، متونه، وفلاسفة وكتّاب الأدب الديني الإيزيدي. هنا يُعرض للتراث الأدبي، للكتابات المقدسة أو المؤثرة، وللشخصيات الفكرية التي ساهمت في تشكيل الخطاب الديني والثقافي للإيزيدية.
القسم الثاني: يتناول نظرية التلقي؛ فيبرز أبعادها، ودور المتلقي، وبدايات هذه النظرية، وروادها. هذا القسم يزوّد القارئ بأدوات نظرية لفهم كيفية استقبال النصوص الدينية والأدبية وتفسيرها، وكيف تتفاعل مع المتلقي في سياقات زمنية وثقافية مختلفة.

القسم الثالث: يطبق نظرية التلقي على الأدب الديني الإيزيدي. هنا يتجلى الجسر بين النظرية والتطبيق، حيث تُفحص النصوص الإيزيدية في ضوء مفاهيم التلقي، وتُستخلص منها رؤى حول كيفية تشكل معنى النص، وكيف يؤثر القارئ أو الجماعة على فهمه وإعادة إنتاجه.
النتائج

في الختام، يقدم المؤلف نتائج الدراسة مقسمة أيضاً إلى ثلاثة محاور، تعكس البنية السابقة:
أولاً: بخصوص الإيزيدية نفسها، تتعلق بطبيعة الديانة، أو تاريخها، أو دورها الثقافي؛
ثانياً: بخصوص الأدب الديني، تتعلق بجودة أو خصائص الأدبيات، أو بالأساليب التي عُرضت بها، أو بدور الأدب في حفظ الهوية؛
ثالثاً: بخصوص نظرية التلقي، تتعلق بكيفية تطبيقها، أو بإسهامها في فهم النصوص الدينية الإيزيدية، أو بمدى ملاءمتها لهذا السياق الخاص.

كما أن تضمين الكتاب تسعة ملاحق أدبية كتبها متخصصون في الأدب ونظرياته يضيف قيمة نوعية للعمل، ويجعله مرجعًا متكاملًا يجمع بين الجهد التوثيقي والتحليل الأكاديمي.
أسلوب الكاتب وتأثيره
يتميز الأسلوب العلمي بقدرته على ربط المعلومات المعمقة بسلاسة لغوية تجعل القارئ لا يشعر بثقل المادة، بل يُحتفى به كمشارك في عملية الاستكشاف والتمكن. هذا الأسلوب يُعد من أهم عوامل نجاح الكتاب؛ لأنه يحول موضوعاً.

المصادر
إنَّ اعتماد الكاتب على هذا العدد الكبير من المصادر العلمية، الذي يبلغ 192 مصدرًا متنوّعًا من كتب ومجلات ودوريات ومواقع إلكترونية وقواميس ورسائل ماجستير وأطاريح دكتوراه باللغتين الكردية والعربية، يعكس عمق بحثه وسعة رؤيته العلمية. هذا التنوّع الغني في المرجعيات لا يُثري المادة البحثية فحسب، بل يمنحها درجة عالية من الموثوقية والقيمة المعرفية، إذ يمكّن الكاتب من تناول الموضوع من مختلف زواياه التاريخية والدينية واللغوية والاجتماعية.

ولم يقتصر جهده على المصادر المكتوبة فقط؛ إذ قام بإجراء أربع مقابلات شخصية مع رجال الدين الإيزيدي والمعنيين بالأدب الديني الإيزيدي، وهو ما أضفى على البحث بعدًا ميدانيًا أصيلًا يُغني محتواه ويمنحه واقعية أكبر.
هذا كله يعكس حجم الجهد الذي بذله الكاتب، ويؤكّد التزامه بمنهجية علمية رصينة جعلت من عمله إضافة معرفية جديرة بالتقدير والقراءة .

قد يعجبك ايضا