من الوحدة إلى التجزئة: قراءة في التحولات العشائرية في كوردستان (1514-1914)

د. خليل مصطفى عثمان

قراءة تحليلية في بحوث المؤتمر الدولي الثامن – مركز زاخو للدراسات الكوردية

يُعدّ كتاب *«من الوحدة إلى التجزئة: دور العشائر في كوردستان 1514–1914» * من أكثر الإصدارات العلمية شمولًا وعمقًا في دراسة التحولات الاجتماعية والسياسية للعشائر الكوردية خلال أربعة قرون. يضم الكتاب 1355 صفحة تتوزع على بحوث علمية باللغات الكوردية والعربية والفارسية، وتغطي مراحل مفصلية من تاريخ كوردستان في ظل السلطنة العثمانية.

تهدف هذه المقالة إلى تحليل نماذج من البحوث المكتوبة باللغة العربية، واستجلاء ما تقدمه من رؤى جديدة حول البنية العشائرية، ووظائفها، وعلاقتها بالسلطات الإقليمية والدولية، ومدى تأثيرها في شكل الهوية الكوردية ومسارها التاريخي.

أولًا: مدخل عام إلى بنية الكتاب وأهدافه

جاء هذا الكتاب بوصفه ناتجًا معرفيًا لمؤتمر دولي واسع شارك فيه نخبة من الباحثين المتخصصين في التاريخ الكوردي، وقد انطلق من فرضية مركزية مفادها أن العشائر كانت الفاعل الأهم في تشكيل التاريخ السياسي والاجتماعي لكوردستان منذ القرن السادس عشر وحتى مطلع القرن العشرين.

وبالنظر إلى التغيرات الكبرى التي شهدتها المنطقة — من انهيار الإمارات الكوردية التقليدية إلى بروز السلطة المركزية العثمانية، ثم التحولات المرتبطة بالحرب العالمية الأولى — يصبح من الضروري فهم كيف انتقلت العشائر من حالة الوحدة النسبية إلى التجزئة والتفكك، وما الذي دفعها أحيانًا إلى لعب أدوار مزدوجة بين المقاومة والتعاون.

ثانيًا: العشائر الكوردية بين الدور المزدوج ووظائف السلطة

جاء البحث الأول بعنوان «العشائر الكوردية في التاريخ الحديث: مواقف متباينة وأدوار مزدوجة» ليؤسس لطبيعة العلاقة المركبة بين العشيرة والسلطة.
فالقبيلة، وفق هذا البحث، لم تكن كيانًا اجتماعيًا فحسب، بل نظامًا سياسيًا يمتلك أدواته الداخلية (الشيخ، الزعيم، مجلس العشيرة) وآلياته الخاصة في ضبط الأمن وتنظيم الموارد.

وتظهر الإشكالية المركزية في أن العشيرة لعبت أدوارًا متناقضة:

* فهي حامية للهوية الكوردية.
* لكنها من ناحية أخرى شكّلت أحيانًا حاجزًا أمام بناء دولة مركزية كوردية موحّدة.

هذا التوازن الهش بين الوحدة والتجزئة يظل مفتاحًا لفهم التاريخ السياسي الكوردي.

ثالثًا: العشائر والدولة العثمانية – من الاستقلال إلى الإخضاع

يعالج البحث الثاني «العثمانيون والنظام العشائري في كوردستان (1514–1880)» تطور سياسة الدولة العثمانية تجاه العشائر الكوردية منذ معركة جالديران حتى مرحلة التنظيمات.

ويمكن تلخيص مسار السياسة العثمانية في ثلاث مراحل:

1- مرحلة الاستقلال الواسع (1514–1600):حيث منحت الدولة العثمانية العشائر الكوردية نوعًا من الحكم الذاتي عبر نظام (الإقطاع الحربي) مقابل الولاء.

2- مرحلة إعادة التنظيم (1600–1850): اعتمدت الدولة على شيوخ العشائر كوسطاء لإدارة الضرائب والحدود.

3- مرحلة الإخضاع والتوطين (1850–1880): مع ضعف الإمبراطورية، حاولت إسقاط النظام العشائري التقليدي وإحلال الدولة المركزية.

وبهذا المعنى، لم تكن العشيرة مجرد طرف في المعادلة؛ بل كانت بديلاً كاملاً عن مؤسسات الدولة في مناطق كوردستان.

رابعًا: التحالفات العشائرية – ديناميات القوة في غرب كوردستان

تميّز البحث الثالث «التحالفات العشائرية الكوردية في غرب كوردستان (1516–1914)» بتقديم رؤية اجتماعية-سياسية لفكرة التحالف العشائري.
ويبيّن أن التحالفات كانت أكثر من مجرد ترتيبات عسكرية؛ إذ كانت:

* أدوات لتنظيم خطوط التجارة،
* وسائل للحماية الذاتية،
* وفضاءات لبناء علاقات بين العشائر الكوردية المتجاورة.

ومع أن التحالفات منحت العشائر قوة كبيرة، فإنها في الوقت ذاته عمّقت نظام التجزئة، لأنها أسست لبنى السلطة الموازية.

خامسًا: العشيرة البرازية نموذجًا للدور العسكري والسياسي (1830–1850)

يكشف البحث الرابع دور العشيرة البرازية في قيادة جبهات عسكرية مهمة ضد النفوذ العثماني خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر.
وتبرز أهمية هذا البحث في أنه يعيد قراءة تلك الفترة بعيدًا عن الرواية الرسمية، ويثبت وجود كيانات عشائرية قوية استطاعت تحدي الدولة، بل وفرض شروطها في بعض الأحيان.
هذا النموذج يعكس قدرة العشيرة على التحول إلى فاعل سياسي كامل في ظل هشاشة السلطة المركزية.

سادسًا: التحولات الاجتماعية – ميران بين الترحال والاستقرار

يركز البحث الخامس على عشيرة ميران بوصفها مثالًا على التحولات الاجتماعية التي واجهتها العشائر الرعوية. فالانتقال من التجوال الموسمي إلى الاستقرار القسري بعد السياسات العثمانية أدى إلى:

* تغير الهيكلة الاقتصادية للعشيرة،
* تفكك سلطات القيادة التقليدية،
* وظهور شكل جديد من العلاقات الاجتماعية المرتبطة بالقرى الثابتة.

ويُعد هذا البحث من أهم المساهمات في فهم التحولات الاقتصادية للعشائر الكوردية.

سابعًا: الزيبار في السالنامات – توثيق نادر

يشكّل البحث السادس إضافة أرشيفية مهمة، إذ يعتمد على المعلومات الواردة في السالنامات العثمانية حول عشيرة الزيبار. وتظهر السالنامات أن الزيبار كانت تتمتع بمكانة مهمة في الحدود الشمالية للدولة العثمانية، ولعبت دور الوسيط بين السلطات والعشائر الأخرى، الأمر الذي يعكس كيفية توظيف الدولة للعشائر لإنجاح سياسات الإدارة المحلية.

ثامنًا: الحلف الملي – إطار قبلي واسع يتجاوز الجغرافيا

يتناول البحث السابع الحلف القبلي الملي، أحد أواسع التحالفات القبلية في الشرق الأوسط. وقد ضم الحلف عشائر كوردية وعربية، ما يكشف عن:

* مرونة البنية العشائرية،
* ونجاحها في خلق شبكات حماية واقتصاد مشترك،
* ودورها في مواجهة محاولات الدولة العثمانية للسيطرة المباشرة.

يمثل هذا البحث نقلة نوعية في فهم كيفيات بناء السلطة في المجتمعات الكوردية.
يقدم كتاب «من الوحدة إلى التجزئة: دور العشائر في كوردستان 1514–1914» مادة علمية فائقة الأهمية للباحثين في التاريخ الكوردي، وفي دراسات العشائر والسلطة، وفي فهم آليات التحول الاجتماعي.

فالكتاب يبرهن على أن العشيرة لم تكن مجرد إطار اجتماعي، بل فاعل تاريخي أسهم في صياغة الهوية الكوردية وتحريك الأحداث وتحديد ملامح السلطة في المنطقة. كما أن التحولات التي رصدتها البحوث تُظهر أن مسار العشائر في كوردستان كان دائمًا مرتبطًا بعوامل خارجية (الدولة العثمانية، القوى الإقليمية) وعوامل داخلية (التحالفات، الصراعات، الاقتصاد الرعوي).

ويظل هذا العمل المرجعي خطوة أساسية ومسارًا علميًا يفتح آفاقًا جديدة لدراسة التاريخ الكوردي في سياقاته الواسعة.

قد يعجبك ايضا