قراءة في كتاب “كركوك وتوابعها: حكم التاريخ والضمير”

صلاح بكر

“إلى كل عربي يرفض أن يكون ظالماً ، بقدر ما يرفض أن يكون مظلوماً”

بهذا التهداء العميق الذي يطرق أبواب الوجدان قبل العقول ، يفتتح البروفيسور كمال مظهر أحمد سفره التاريخي الخالد “كركوك وتوابعها: حكم التاريخ والضمير” ليس هذا الكتاب مجرد سرد للأحداث أو رصف للتواريخ الميتة ، بل هو مرافعة إنسانية أمام محكمة الزمن ، حيث تقف كركوك ، تلك المدينة التي تشبه شجرة زيتون عتيقة ضاربة بجذورها في أعماق الأرض ، شاهدة على تحولات ديمغرافية وسياسية عصفت بها، وتركت على جسدها ندوباً لا يمحوها النسيان.

صرخة الجغرافيا في وجه التاريخ
في صفحات هذا السفر ، لا يكتفي الكاتب بكونه مؤرخا محايدا ، بل يتحول إلى طبيب جراح يشرط بمشرط الحقيقة أورام التزييف التي طالت هوية كركوك. إن التاريخ ، كما يقول الفلاسفة ، قد يكتبه المنتصرون، لكن الجغرافيا لا تكذب أبداً. يعود بنا الكتاب إلى شتاء عام 1574م حين وصل الرحالة الهولندي ليونهارت إلى كركوك ، فوصفها بأنها تقع ضمن “مناطق الكورد”. وفي عام 1649م تأسست إمارة بابان الكردية التي اتخذت من كركوك عاصمة لها لتمتد نفوذها في القرن الثامن عشر حتى همدان ، حيث كان يُطلق على حاكمها الباباني اسم “پاشای كوردستان”.

لقد استطاع الدكتور كمال مظهر أحمد، بأسلوبه الرصين وعين الخبير الثاقبة ، أن يفكك طلاسم المؤامرات التي حيكت في الغرف المظلمة لتغيير ديمغرافية هذه المدينة العريقة. في عام 1820م أكد الرحالة كلوديوس جيمس ريج أن كركوك كانت السوق الرئيسية لمنتجات كوردستان ، وأن مواطني كركوك هم من ينقلون تلك المنتجات. إن محاولات طمس هذه الهوية التاريخية تشبه محاولة إطفاء الشمس بنفخة هواء ، فالأرض تحفظ أسماء أبنائها كما تحفظ الأم ملامح وليدها.

ميزان العدالة بين دفتي كتاب
في رحلة القراءة بين فصول الكتاب، يشعر القارئ وكأنه يتجول في أزقة كركوك القديمة، يستمع إلى همسات حجارتها ، ويرى كيف تحولت هذه المدينة من مركز تسويق نابض بالحياة إلى بؤرة صراع لا يهدأ. يتناول الكتاب بشجاعة نادرة التحولات التي رافقت الاحتلال البريطاني ، وموقف كركوك من ترشيح الأمير فيصل لعرش العراق ، وصولاً إلى مشكلة الموصل المعقدة عام 1925م وحركات الشيخ محمود والبارزاني الخالد، التي كانت كركوك جزءاً لا يتجزأ منها.

“العدل ليس أن تعطي كل ذي حق حقه فقط ، بل أن تمنع الظالم من التمادي في ظلمه”. هذه العبارة الفلسفية تتجلى بوضوح في كل وثيقة يعرضها الكاتب، وفي كل حجة يسوقها. فهو لا ينحاز لعاطفة عمياء ، بل يترك الوثائق تتحدث ، والأرقام تنطق ، ليضع القارئ أمام مسؤولية أخلاقية كبرى: أين نقف نحن من هذا الظلم التاريخي؟

واخيرا
يمكن القول إن كتاب “كركوك وتوابعها: حكم التاريخ والضمير” ليس مجرد دراسة وثائقية عن القضية الكردية في العراق، بل هو وثيقة شرف وشهادة حق. إنه دعوة للتأمل في كيف يمكن للسياسة أن تعبث بأقدار الشعوب ، وكيف يمكن للتاريخ أن يُنصف المظلومين إذا ما وجد من يمتلك شجاعة البوح بالحقيقة.

لقد نجح الدكتور كمال مظهر أحمد في تحويل كركوك من مجرد بقعة جغرافية متنازع عليها ،إلى قضية ضمير حي. هذا الكتاب هو رسالة لكل من يبحث عن الحقيقة وسط ركام التزييف ، وهو تذكير دائم بأن الحق، وإن طال أمده ، لا يسقط بالتقادم ، وأن جراح المدن العريقة ، ككركوك ، لا تندمل إلا ببلسم العدالة والاعتراف بالتاريخ كما هو ، لا كما يُراد له أن يكون.

قد يعجبك ايضا