حفلات التخرج بين الأمس واليوم

د. ياسين الزيباري

لقد زرع الله حب ّ العلم في قلوب العباد، ومن لا يعشق العلم فلا يستطيع أن يواصل المسيرة، فالعشق هو أساس التفوق في العلم وكل مهنة، لذا يستمر الطالب في الدراسة نحو عشرين عاما ً ليكون مؤهلا ً للقيادة على مستوى الأفراد والجماعات، وبلا شك فإنها فرصة مرتقبة ينتظرها الطالب والأهل على حد سواء، وهنا تحدث مناسبة فريدة قد لا تتكر في العمر مرة أخرى، وهنا تـتـعـَــدد وسائل الفرح.

وفي زماننا هذا تكون أقوى من حفلات العرس، ويحدث البذخ اللامحدود، وتتكرر الاحتفالات على مستوى العائلة ، والقسم، والكلية، والجامعة، ويلحق ضرر كبير بكثير من العوائل الفقيرة، لأن الطالب سواء كان إبنا أو بنتا يريد اللحاق بالركب، وتفعيل لغة التناغم، والمحاكاة، وقد تكون الاستعدادات لأشهر حتى تنتهي الثياب من الخياط، ثم صالونات التجميل، ثم الورود، وتزيين منصـّـة التخرج، وقد تكلف كل حفلة مالا يقل عن خمسمائة دولار، وربـّـما تكون أكثر من عشرة آلاف دولار لعوائل أخرى لكل فرد!

وهنا أتذكر حالات كثيرة بهذا الخصوص، فحينما كنا في حفلة تخرج ذات مرة، وقد حضر الأساتذة والعميد وبقيت طالبة تتصل بالهاتف: ((أستاذ أستاذ انتظروني أنا في الصالوان)) ورجوت من العميد الانتظار، ثم حضَـرَت، وتـــمّ التصوير، فأتت تشكرني على الانتظار، ثم ضحكت وقالت: ((يا أستاذ هل أنا جميلة؟)) ومن طبيعتي لا أجامل وهذه الصراحة سببت لي مشاكل كثيرة، فقلت لها: أمس كنت أجمل من اليوم. فقالت: ((صرفت مائتي دولار على نفسي)) فاستغـْـربـْـت ، وقلت: ماذا …؟ فكررت نفس الكلام: ((أستاذ صرفت مائتي دولار على نفسي لكي أظـهــر جمالي)) ، فقلت لها: أنا إنسان قديم أرى الأمور على حقيقتها لا على التغيير. وأنا أعرف جيدا ً أن هذه الطالبة قد استدانت المبلغ وكلـَّــفـت عائلتها مالا تطيق.

وحالة أخرى بعدما اكتملت مراسم حفلة التصوير في الكلية وصلت طالبة ، فقالت: ((لقد صرفت كذا وكذا كيف تركتموني ثم استدركنا الأمر ..)).

وهناك حالات أخرى تحدث في الاحتفالات لا تليق بأهل العلم، من حيث الأفراح والثياب، والحركات، لا أستطيع التحدث عنها بصورة مفصلة، ولي مقولة دائمة مع الطلبة نقول لهم: المركز العلمي العلمي مقدس، لذا يجب أن تكون الثياب محترمة! تختلف الحالة حينما يذهب الإنسان إلى السوق أو المعمل، أو مكان العبادة، أو مكان العمل، وأتذكر حينما تخرجنا من الكلية قمنا بالتصوير بالثياب الرسمية الموحدة للطلبة. وفي التخرج العام في ملعب بين الوزيرية والأعظمية في بغداد عام (1981 م) ارتدينا الروب الرسمي، ولم تكلفنا حفلة التخرج دينارا واحدا، سوى من أراد الحصول على الصورة الجماعية، فالوسام الأعظم هو الحصول على الدرجة العلمية والدخول في قيادة المجتمع .

قد يعجبك ايضا