البيشمركة… نشيد الصمود وسيف البقاء في مهبّ الأزمات

فارس عيسى عبدالكريم*

تُعدّ الأمة الكردية من أعرق القوميات والشعوب التي عاشت عبر التاريخ في رقعة جغرافية شديدة الاضطراب والتعقيد، وهي منطقة لم تعرف الاستقرار بصورة مستدامة، بل ارتبط اسمها في أدبيات العلوم السياسية والاستراتيجية بما يُعرف بـ«بؤرة الأزمات»، نظراً لتشابك الصراعات وتعدد الفاعلين الإقليميين والدوليين فيها.

وقد تميزت هذه المنطقة بأن أزماتها لا تنتهي بحلول جذرية، بل غالباً ما تتولد عنها أزمات جديدة ومشكلات أكثر تعقيداً، نتيجة تبني العديد من القوى المتنافسة نهج إدارة الأزمات واستثمارها لتحقيق النفوذ والمصالح بدلاً من السعي إلى معالجتها بصورة نهائية، مما أدى إلى استمرار حالة الصراع والتوتر على المستويات السياسية والأمنية والاقتصادية والعسكرية، ووصولها في بعض مراحلها إلى أبعاد دولية وعالمية وعلى سبيل المثال، فإن الحرب الدائرة بين أمريكا وإسرائيل وإيران، وما يرافقها من تدخلات غير مباشرة من قِبل قوى دولية فاعلة كالصين وروسيا الاتحادية، تأتي بدافع الخشية من حدوث خلل في ميزان القوى، خاصة في ظل مؤشرات ما تزال غير واضحة المعالم. وإذا لم يتم التوصل إلى سلام شامل، فقد تزداد هذه الحرب تعقيدًا وتتفاقم تداعياتها، وقد تنتهي على حساب مصير بعض الدول أو الشعوب
وفي خضم هذه البيئة المضطربة، واجه الشعب الكردي أشكالاً متعددة من التحديات والاضطهاد والصراعات، إلا أنه تمكن من الحفاظ على هويته القومية ووجوده التاريخي، وظل متمسكاً بحقوقه الوطنية وتطلعاته المشروعة في الحرية والعيش الكريم. وقد أشار المؤرخ والباحث الأرمني Arshak Safrastian في كتابه The Kurds and Kurdistan إلى أن العديد من الشعوب والقوميات اندمجت أو انصهرت في شعوب أخرى واختفت أسماؤها عبر التاريخ، إلا أن الشعب الكردي حافظ على وجوده وهويته واستمر في العيش على أرضه التاريخية رغم ما تعرض له من حروب واحتلالات ومحاولات للإقصاء والطمس.

ومن رحم هذه المعاناة التاريخية برزت قوات البيشمركة بوصفها التعبير الأصدق عن إرادة الأمة الكردية في الدفاع عن وجودها وكرامتها وحقوقها. ولم تكن البيشمركة مجرد تشكيل عسكري، بل أصبحت رمزاً وطنياً يجسد قيم الصمود والتضحية والفداء، وعنواناً لنضال الشعب الكردي في مواجهة مختلف التحديات والتهديدات التي استهدفت وجوده وهويته، وقد سطرت عبر مختلف المراحل التاريخية مواقف بطولية في الدفاع عن الأرض والإنسان، وأسهمت في تعزيز الأمن والاستقرار وحماية المكتسبات الوطنية.

وعليه، فإن البيشمركة، بما تمثله من تاريخ نضالي طويل وإرث وطني راسخ، تجسد روح الأمة الكردية وضميرها النضالي، وتعبر عن إرادة شعب واجه الاضطهاد والصراعات بإيمان راسخ بحقه في الحياة والحرية والكرامة.

وبعد سقوط النظام البعثي عام 2003، دخل العراق مرحلة سياسية جديدة اتسمت بالتحول نحو النظام الديمقراطي والفيدرالي، وقد علق كورد العراق آمالاً كبيرة على هذه المرحلة، متطلعين إلى بناء علاقة جديدة قائمة على الشراكة الحقيقية والاحترام المتبادل والالتزام بالدستور، على أمل طي صفحات الماضي وما حملته من مآسٍ ومعاناة، وتأسيس عهد تُصان فيه الحقوق وتُعالج فيه آثار السياسات السابقة بروح العدالة.
إلا أن مسار العلاقة بين بغداد وأربيل واجه لاحقاً تحديات وخلافات سياسية ودستورية حالت دون تحقيق العدالة.

كما لم تخلُ مرحلة ما بعد 2003 من تحديات تتعلق بمستقبل القوات الأمنية في العراق، إذ ومع بدء إدارة العراق من قبل الحاكم المدني الأمريكي بول بريمر” Paul Bremer” ، طُرحت تصورات لإعادة هيكلة المنظومة الأمنية، كان من بينها دمج قوات البيشمركة ضمن القوات المسلحة العراقية أو تقليص خصوصيتها التنظيمية.

إلا أن هذه التوجهات قوبلت برفض من القيادة الكردستانية، حيث تمسك الرئيس “مسعود بارزني” باستمرار وجود البيشمركة كمؤسسة وطنية أساسية، مؤكداً أنها تمثل روح الشعب الكردي النضالية، وأن أي محاولة للمساس بها تمثل مساساً بتضحياته ووجوده ولن يقبل.

وفي الآونة الأخيرة، تصاعدت بعض الأطروحات السياسية التي ربطت مستقبل قوات البيشمركة بمشاريع إعادة هيكلة المنظومة الأمنية في العراق تمثل مصير فصائل مسلحة خارجة عن إرادة الدولة وقرار حلها ونزع سلاحها ومن خلال طرح أفكار تتعلق بالبيشمركة وربطها بمصير تلك الفصائل ضمن أطر تنظيمية مختلفة. غير أن هذا الطرح يتجاهل الطبيعة التاريخية للبيشمركة بوصفها قوة نشأت من إرادة شعب، وتجسدت كعنوان لحماية وجوده وحقوقه ومكتسباته ووجودها تمثل حاجة اكثر مما هي وظيفة.

وفي هذا السياق، جاء موقف الرئيس “مسعود بارزاني ” واضحاً وحاسماً في رفض أي مساس بهذه المؤسسة أو التقليل من دورها، مؤكداً أنها تمثل ركناً أساسياً في معادلة الأمن والاستقرار في كوردستان، وامتداداً مباشراً لتاريخ نضالي طويل وتجربة سياسية وأمنية متجذرة. وقد شدد في مواقفه على أن البيشمركة ليست قابلة للمساومة أو الإلغاء، لأنها ترتبط بوجود شعب وتضحيات أمة، وتشكل ضمانة استراتيجية لا غنى عنها في حماية الكورد وكوردستان .

ويعكس هذا الموقف قناعة راسخة لدى الرئيس “مسعود بارزاني”، الذي لطالما عبّر عن تقديره العميق لمكانة البيشمركة، باعتبارها رمزاً وطنياً يتجاوز الألقاب والمناصب، لما تمثله من قيمة وجودية وحيوية في حماية شعب كوردستان وصون أمنه واستقراره. إذ تُجسد البيشمركة عنواناً للتضحية والانتماء، وتجسيداً عملياً لإرادة الشعب الكردي في الدفاع عن حقوقه وكرامته، وهو ما يجعلها تتقدم في معناها الوطني على أي مسميات أو ألقاب أخرى، باعتبارها جوهراً لهوية النضال كردي وركيزة أساسية في استمراره فمن حق الرئيس “مسعود بارزاني” أن يفتخر ويفضّل تسميته بـ«البيشمركة» على ألقاب أخرى، ومن حق البيشمركة أن يفتخروا بمن يمثلهم، لأنه يفضّل أن يسبق اسمه اسمهم عند التداول: «البيشمركة مسعود بارزاني» وليس «الرئيس مسعود بارزاني»

*رئيس ممثلية حكومة أقليم كوردستان في بغداد

قد يعجبك ايضا