محمد علي محيي الدين
وُلد الأستاذ والمفكّر والكاتب الكوردي الكبير مسعود محمد في مدينة كويسنجق بمحافظة أربيل عام 1919، في بيتٍ مشبع بروح العلم والدين، فقد كان والده من كبار علماء عصره، جمع بين عضوية مجلس ولاية الموصل في العهد العثماني والمجلس التأسيسي العراقي، فشبّ الابن في بيئة تُنصت للمعرفة وتُجلّ الكلمة. وفي تلك البيئة المفعمة بالدرس والمناقشة، تفتحت ملامح وعيه الأول، وتكوّنت في داخله البذرة التي ستنمو لاحقًا مفكرًا واسع الأفق.
تلقى مسعود محمد تعليمه الأول في الحلقات العلمية والدينية في كويه، ثم أتمّ دراسته الرشدية فيها، لينتقل بعدها إلى أربيل ويكمل دراسته المتوسطة والإعدادية عام 1940. وفي عام 1945 اتجه إلى بغداد، المدينة التي تختبر الرجال وتفتح لهم أبواب الفكر والقانون، فالتحق بكلية الحقوق وتخرّج منها محاميًا يملك وضوح الحجة ورصانة البيان. ولم يطل به الطريق حتى عُيّن قاضيًا أواخر سنة 1952، ثم انتُخب نائبًا في البرلمان العراقي لدورته 1953–1954، لتبدأ مرحلة جديدة من العمل العام امتدت عشر سنوات، تخللتها نقاشات سياسية وصراعات فكرية كان لها أثر عميق في تكوينه المعرفي.
وبعد ثورة 14 تموز 1958، شارك عضوًا في لجنة الإصلاح الزراعي، حاملاً رؤيته الإصلاحية ووعيه الوطني. وفي حزيران 1964 تقلّد منصب وزير الدولة لشؤون إعمار الشمال، لكنه انقطع عن أداء مهامه في أيار 1965 فأُعفي من منصبه. ولم يغب اسمه طويلًا حتى عاد ليُعيّن عضوًا في مجلس الخدمة العامة أواخر عام 1966، ثم اختير سنة 1971 عضوًا عاملاً في المجمع العلمي الكوردي، ليتدرج بعد سنوات فيصبح نائبًا لرئيس المجمع ورئيسًا له بالوكالة، جامعًا بين التجربة القانونية والسياسية والفكرية في شخصية واحدة قلّ نظيرها.
مارس مسعود محمد العمل السياسي والفكري على فترات متقطعة، وارتبط اسمه بجهود لا تُحصى في تقويم الخطاب الثقافي والصحفي. وقد مُنح شهادات تقديرية عديدة، وكرّمته مؤسسات رسمية وأهلية، فنال وسام المؤرخ العربي وشارة الرواد من التجمع الثقافي. ولم يكن هذا التكريم ترفًا، بل كان اعترافًا بما تركه في الثقافة الكوردية والعربية من أثرٍ واضح، خصوصًا وأنه كان يتقن العربية والكوردية والفارسية، ويتنقل بينها كما يتنقل الحكيم بين مقامات فكره.

ترك مسعود محمد أثرًا عميقًا في اللغة والأدب والسياسة والتاريخ، ونشر دراسات علمية في المصطلح القياسي، ودوّن مؤلفات كثيرة، منها: وجهة نظر في التفسير البشري للتاريخ، الحاج قادر الكوي بثلاثة أجزاء، كيفية النهوض بالمرأة في منطقة الحكم الذاتي، لسان الكورد، بيريسترويكا غورباتشوف في جزأين، من هموم الحياة، إعادة التوازن إلى ميزان مختل، إلى أمير حسن يور حيثما يكون، وسياج الصمت الذي صدر في السويد بالكوردية. وبعد وفاته ظهرت مخطوطتان ضخمتان، هما شكوى زمن وشكوى أدب، وكل منهما يقترب من سبعمئة صفحة، وفيهما خلاصة فكره اللغوي والأدبي.
ويصفه عكاب سالم الظاهر بأنه يمتلك لغة عربية سليمة نطقًا وكتابة، تُصاحبها نكهة كوردية محببة، وأن حديثه يحيّر مستمعه: أهو فلسفة في ثوب أدب أم أدب ينهل من الفلسفة؟ لقد كان من أفضل المنشئين العرب، ثريًّا بالمفردات التي تناساها الكتّاب العرب، يختار عبارته كما يختار الحصيف لؤلؤته، ويمنح الجملة ضوءًا يليق بما يريد التعبير عنه. وكان يقول إن الكتابة هي ملح طعام الحضارة، تلك الجملة التي تلخّص إيمانه العميق بالكلمة وقدرتها على تهذيب العقول.
وكتب عنه الأستاذ عبد الحكيم نديم أنه خير من نبش تراث الأجداد واستخلص من صفحاته الدروس والعبر، وأنه أول من أزاح غبار السنين عن حقائق منسية، ووقف في وجه أصنام التعصب وحب الذات، ودخل معترك الفكر مقارعًا أفكار الظلام، وخرج من كل معركة فكريّة محتفظًا بمكانته العالية في ذاكرة الأمة. وقد كان ينازع الفكر بالفكر، بعيدًا عن التعصب والتقليد الأعمى، مناقشًا النظريات الفلسفية بطروحاته العلمية الرصينة، ومفحمًا خصومه بأدلته الواضحة وحججه القوية.
أما الدكتور عبد الباسط سيدا، فقد رأى أن مسعود محمد كان يحب شعبه إلى حد الهيام، لكنه لا ينظر إلى معاناته بعيون رومانسية؛ بل يشخص الداء بشجاعة وواقعية، مؤكداً أن الظروف لم تسمح للباحثين بأن يتعمقوا أكثر في جوانب فكره الفلسفي الواسع. وكان هذا الاتساع كفيلًا بأن يجعل منه واحدًا من أبرز العقول التي تناولت قضايا الأمة الكوردية بلغة العقل وحكمة التجربة.
ولم تكن علاقة مسعود محمد بالشعر والأدب أقل عمقًا من اهتمامه بالفكر؛ فقد كان دائم البحث عن المعنى الكامن في الملاحم الشعرية، خصوصًا في تراث الشاعر الكوردي الخالد نالي الذي هام به عشقًا صوفيًا. ولذلك عُدّ في نظر الكثير من المختصين أفضل من كتب عن عالم نالي، إذ غاص في شعره غوص الباحث الصبور، وقدّم دراسات تُعدُّ من أبرز ما كُتب في الأدب الكوردي.
ولم تنسَ كوردستان أبناءها، فقد شهدت مدينة كوية مؤتمرًا دوليًا خُصص لحياة وأدب هذا المفكر الكبير، حضره الأدباء والشعراء والمثقفون وجمهور واسع من محبيه، واستمر يومين كاملين في قاعة رئاسة جامعة كوية، قُدمت فيه بحوث تناولت حياته ونتاجه ودوره في إثراء اللغة والأدب الكورديين. كان ذلك المؤتمر شهادة أخرى على حضور الرجل في الوعي الثقافي لأمته.
وبعد أحداث عام 1991، عاد إلى أربيل، تلك المدينة التي أحبها وعاش بين أهلها، وفي الأول من نيسان عام 2002 أسدل الستار على حياة رجل حمل الفكر سيفًا والكلمة وطنًا، ورحل تاركًا أثرًا يبقى ممتدًا ما بقيت اللغة وما بقي من يسمع لصوت الحكمة في زمنٍ يندر فيه الحكماء.
وهكذا مضى مسعود محمد، لكن صوته ما يزال يتنقل بين الكتب كنسيمٍ هادئ، عميق، ومفعم بتلك النبرة التي لا تشبه إلا الحكمة حين تتجلى في روح شاعر وفيلسوف في آن واحد.