باكزة رفيق حلمي… عابرة اللغات وامرأة المراجع الأولى

محمد علي محيي الدين

لم تكن الدكتورة باكزة رفيق حلمي مجرّد اسم في سجلّ الأكاديميا العراقية، بل كانت ظاهرة علمية متفرّدة، تشبه في مسيرتها تلك الأشجار العريقة التي تمتد جذورها في عمق الأرض بينما تتجه قمّتها نحو سماء المعرفة، لا تعرف السكون ولا ترضى بأنصاف الرحلات. ولدت في السليمانية عام 1924، في مدينة لها من الجبال وقارها ومن اللغة الكردية موسيقاها الأولى، فشبّت في بيت رأى في التعليم جسرًا لا بد من عبوره إلى العالم، وكانت هي أوّل العابرين.

أنهت دراستها الابتدائية في مدينتها عام 1937، ثم انتقلت إلى بغداد لتتلقّى دراستها المتوسطة في الأعظمية عام 1940، وتتابع الثانوية في الإعدادية المركزية عام 1943. هناك بدأت تتكشّف ملامح مشروعها العلمي؛ عقلٌ يتّقد بالنحو والصرف، وذاكرة تتشبّث بكل لفظة، وإصرار لا يلين أمام حدود الزمان والمكان. اختارت دار المعلمين العالية بيتًا لعلمها، فحصلت على بكالوريوس الآداب بدرجة الشرف عام 1949، وهي درجة حملتها إلى فضاءات أبعد مما كان يُنتظر من شابّة عراقية في ذلك الزمن.

ومن بغداد، شدّت باكزة رحالها إلى الولايات المتحدة، ووقفت في ردهات جامعة هارفرد، كأحد الأسماء العربية النادرة التي تلامس ذلك الصرح الأكاديمي. نالت هناك شهادة الماجستير في علم اللغات عام 1951، فازدادت معرفتها اتساعًا ورسوخًا، ثم انتقلت إلى لندن لتكمل الدبلوم العالي عام 1953. وبعد سنوات من الترحال العلمي، عادت إلى القاهرة حيث نالت عام 1958 شهادة الدكتوراه في علم اللغة، متخصّصة في اللغات السامية من جامعة القاهرة، لتصبح واحدة من أبرز الباحثات في هذا المجال.

وعندما عادت إلى بغداد، لم تعد مجرّد طالبة حاصلة على أعلى الدرجات، بل عادت كقيمة علمية حقيقية، لتُعيَّن مدرّسة لعلم اللغة ورئيسة لقسم اللغة الكردية في كلية الآداب بجامعة بغداد بين عامي 1958 و1970. وفي تلك السنوات تبدّل وجه القسم، إذ حملت إليها مناهج حديثة في المقارنة اللغوية والدراسات السامية، وأعادت ترتيب دور اللغة الكردية في كلية الآداب، حتى وصفها أحد الباحثين بأنها «الركيزة التي وقفت عليها البدايات الأكاديمية للدرس الكردي المنهجي».

ولم يقتصر حضورها على القاعات الدراسية في بغداد؛ ففي عام 1970 اختيرت عضوًا عاملاً في المجمع العلمي الكردي، واستمرت فيه حتى عام 1978 حين قدّمت استقالتها. كما عملت أستاذة زائرة في جامعة همبولتن بألمانيا بين 1969 و1971، ثم في الجامعة الأردنية من عام 1978 حتى 1986، فكان وجودها هناك مصدر إشعاع معرفي طال الطلاب والباحثين.
وكان انفتاح الدكتورة باكزة على العالم من خلال عضوياتها المتعددة؛ فهي عضو الجمعية الملكية الآسيوية في إنكلترا منذ 1964، وعضو جمعية النداء الاجتماعي في بغداد منذ 1951 حتى إلغائها، وعضو اتحاد الأدباء العراقيين منذ 1959، وعضو اتحاد الكتاب والمؤلفين منذ 1971. وكانت لهذه المنابر دور كبير في إتاحة صوتها في الساحة الثقافية، إذ عرفها زملاؤها بحدة النقاش ودقّة المعلومة، وبأنها لا تجامل حين يتعلّق الأمر بالبحث العلمي.

وكانت تتقن ست لغات: العربية والكردية والإنكليزية والعبرية والألمانية والفارسية، ولذلك كانت تُسمّى بين طلابها «امرأة المراجع»، لأنها كانت قادرة على العبور بين النصوص بلغاتها الأصلية، فتفهمها دون وسيط، وتعيد إنتاجها من منظور الباحث لا المترجم فقط. وقد نشرت مئات البحوث في دوريات عراقية وعربية وأجنبية، وبقيت أعمالها مرجعًا للباحثين في اللغات السامية والتاريخ اللغوي للشرق القديم.

أما مؤلفاتها، فكانت ثمرة سنوات طويلة من البحث والتنقيب: كتابها المتفرّد «الجمع في اللغات السامية» الصادر في بغداد عام 1958، ودراستها «الأكراد والحياة المدروسة» التي قدّمتها بوصفها ملحمة شعرية عام 1960، وكتاب «قواعد اللغة الكردية» الذي ظل معتمدًا في الدراسات الكردية لسنوات، و«لغات الجزيرة العربية» الصادر عام 1974، وكتابها «مقالات» الصادر عام 1956، ثم دراستها «الجموع في اللغة العربية»، وكتابها الجريء «العربية أصل والعبرية فرع» الصادر عام 1975، ودفتر مذكّراتها (الجزء الأول) الذي نشر عام 1957، إضافة إلى عدة كتب لم تطبع بعد حول التاريخ القديم للشعوب الشرقية.

وقد كتب عنها عدد من النقاد؛ فمنهم من رأى فيها «عالمة جمعت بين صرامة البحث الغربي وعمق التراث الشرقي»، ومنهم من عدّها «من أوائل النساء اللواتي أثبتن أن اللغة ليست حكرًا على الرجال»، بينما أشار باحثون آخرون إلى أنّ دراساتها في المقارنة السامية كانت من أكثر المحاولات جرأة في زمنها، خصوصًا حين تطرّقت إلى العلاقة بين العربية والعبرية، إذ أثارت نقاشات واسعة بين مؤيد ومعترض، مما أضفى على أعمالها حيوية واستمرارًا في التداول.

وقد ظلّت الدكتورة باكزة مثالاً للباحثة التي لم تستسلم لظروف زمانها، بل تجاوزتها، وظلّ شغفها باللغات القديمة يحركها حتى سنواتها الأخيرة. تركت وراءها عدداً من المخطوطات التي تنتظر يدًا حانية تخرجها للنور، وهي مخطوطات تتعلق بتاريخ الشرق ولغاته وشعوبه. وبرحيلها عام 2003، انطفأ صوتٌ علمي ظلّ حاضرًا لسبعة عقود، لكنه لم يغب؛ فقد بقي إرثها حاضراً في قلوب طلابها وفي رفوف الجامعات وفي مسارات البحث اللغوي في العراق والبلاد العربية.

وما تزال سيرتها تقول إن المعرفة لا جنس لها، وإن المرأة حين تحمل من العلم ما تحمله باكزة، تصبح أمة وحدها، ومرجعًا لا يُلتفت إلى زمنه بقدر ما يُلتفت إلى أثره.

قد يعجبك ايضا