نور الهدى كناوي.. بين كيمياء الحياة وشعر الوجدان ورواية الواقع

محمد علي محيي الدين

ولدت الشاعرة والكاتبة نور الهدى غفار كناوي في مدينة الحلة بمحافظة بابل في الثالث عشر من أيلول عام 1991، تلك المدينة التي ما زالت تنفث عبق الحضارة وتورّث أبناءها شغف الكلمة وسحر الحكاية. في مدارسها قطفت نور الهدى أولى ثمار المعرفة، ثم واصلت مسيرتها العلمية في كلية العلوم – قسم الكيمياء، لتحمل شهادة البكالوريوس، غير أن معادلة الشعر كانت أكثر رسوخًا في وجدانها من أي معادلة كيميائية، فاختارت أن تمزج بين دقّة العلم ورهافة الإحساس، لتصنع لنفسها عالمًا تتقاطع فيه المعادلات مع المشاعر.

انطلقت نور الهدى في عالم الأدب بخطوات واثقة، فكتبت القصة القصيرة والرواية والمقالة وقصيدة النثر، لتعلن عن صوتها الإبداعي عبر مجموعتها الشعرية الأولى «خامسة وخمس دقائق» الصادرة عن دار أبجد عام 2022، وهي مجموعة حملت بصمتها الخاصة في رسم مشاهد الوجع الإنساني والأنثوي بلغة شفافة وإحساس عميق.

تلتها روايتها الأولى «خارج الحدود» التي نالت المركز الثاني في مسابقة الأدباء الشباب – دورة الشاعر بدر شاكر السياب لعام 2024، لتؤكد أن موهبتها لم تقف عند تخوم الشعر، بل امتدت لتخوض غمار السرد برؤية ناضجة وبناء روائي متماسك. ثم أصدرت روايتها الثانية «وجهان في المرأة» عن دار متن سنة 2025، وهي عمل احتفت به منظمة بنت الرافدين تقديرًا لتميزه في التعبير عن قضايا المرأة ورؤيتها في عالم متغير. أما روايتها «صمد» فقد وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة الرواية العربية لمؤسسة الخلق العظيم التابعة للعتبة العباسية، في إنجاز جديد يضاف إلى سجلها الأدبي، على أن تعلن المراتب النهائية في الثاني عشر من كانون الأول.

نشطت كناوي في المشهد الثقافي، فحضرت العديد من الندوات الشعرية والثقافية وأندية القراءة والكرنفالات الأدبية، ونشرت نتاجاتها في صحف ومجلات عراقية وعربية منها: بانوراما الشباب، جريدة الصباح، البينة الجديدة، مجلة ومضة وغيرها، لتصبح من الأصوات النسوية التي تؤسس لحضور جاد ومتوازن في الساحة الأدبية العراقية.

وقد كتب عنها الناقد والكاتب نبيل الربيعي ملاحظات نقدية حول ديوانها «خامسة وخمس دقائق» فقال:
“إن قصائد نور الهدى محمّلة بالهموم والموت، وهي شعر رصين لم تمسّه إلا الفصاحة. ففي قصيدتها (قافلتنا) تكثر من تكرار (متى)، وهو ما يثقل الحسّ قليلًا رغم انسجام النظم. أما في (وجع المدينة) فتتجلى حياة فنية بلا حدود، وتبدو الشاعرة صادقة حين تحدّثنا عن قلبها؛ إذ يوحي شعرها باحتضار هذا القلب المتعب بالحب والخذلان. وفي قصيدة (هو الحب) نلمح بحر الشباب الذي يعج ويصخب، ولغتها الشعرية تطغى على السرد وتغلبه، فهي لغة مطمئنة هادئة، تبعث على الطمأنينة رغم ما تصور من أهوال. إن قصائدها مما يحب القارئ أن يقرأه ويعود إليه، لأنها تمسك بخيط التوازن بين الغموض المحبّب والوضوح الجميل.”

أما رأيي فيها، فإن نور الهدى كناوي تمثل في تجربتها الأدبية صوت الأنثى الواعية لعصرها، المتصالحة مع وجدانها، والمتمردة على القوالب الجاهزة في الأدب والحياة. تمتلك حسًّا شعريًا عاليًا، وصبرًا معرفيًا يندر أن نجده في جيل الشباب، فهي تُنضج تجربتها ببطء الكيميائي وحذر الفنان، وتمنح لكل عمل بصمته الخاصة. إن لغتها تتوهج بالعاطفة لكنها لا تفقد اتزانها، ويظل في أعمالها ذلك الخيط الشفيف الذي يشد القارئ إلى أعماقها دون أن يثقل عليه الغموض أو التصنع.
إنها من الأصوات التي تبشّر بولادة جيل أدبي جديد، جيل لا يرى بين العلم والأدب حدودًا، ولا بين المرأة والإبداع فواصل، بل يذيبها جميعًا في بوتقة واحدة اسمها نور الهدى كناوي.

قد يعجبك ايضا