الازمات وقياس التفكك الاجتماعي واصلاحه

د. نزار الربيعي

غالباً ما تولد الأزمات (الاقتصادية، السياسية، الطبيعية الثقافية) تفككاً اجتماعياً لأنها تعيق بشكل حاد و صارم استمرار ممارسة الأنشطة المعتادة التي تقوم بها الجماعة وتتطلب تكيفاً جديداً لأنماط السلوك في المجتمع الحديث لا سيما وأن من بين الأحداث المتأزمة تهديدا أمن وحياة الأفراد مثل التهديد باستعمال أسلحة الدمار الشامل من قبل العدو أو حدوث زلزال حاد أو هطول أمطار غزيرة تدمر مياهه خزانات وسدود المياه أو مرض الملاريا أو البلهارزيا وسواها. لكن علماء الاجتماع استطاعوا تحديد ثلاثة حالات من الأزمات التي تهدد أمن وحياة الناس هي:

1- حالات مهددة.. التي تنطوي على ظروف أولية قبل وقوع الخطر أو الهجوم الفعلي أو الاندلاع الحرب، كالحرب النفسية.

2- حالات تمثل تأثير الخطر: التي تحصل بعد اندلاع الحرب أو وصول الإعصار أي الوقاية من تقليل عدد الإصابات أو الضحايا أو المفقودين أو المتضررين من ذلك الخطر.

3- حالات تمثل ضحايا الخطر: أي ما هي الآثار الفعلية (البشرية والمادية) التي وقعت بين الجانب البشري (قتلى ،مفقودين، أسرى، جرحى، أو فقدوا أسرهم) وبين الجانب المادي، (من مباني ومعامل ومشافي ومدارس وسواها)

يحسن بنا أن نشير إلى أن الأفراد يختلفون في ردود فعلهم للأزمات والكوارث التي يواجهونها وذلك يعتمد على خبرتهم السابقة في مثل هذه المواقف وتتوقف أيضاً على التوقعات الثقافية التي يتزود بها الناس من ثقافتهم الاجتماعية حيث يتطلب منه أن يتجنب مثل هذه المواقف أو يجمد نشاطه أو على العكس قد يتعاطف معها بشكل متطرف أو طفولي أو بعدوانية بارزة موجهه ضد الآخرين في موقع الحدث.

إن سياق الحديث يلزمني أن لا أغفل الأزمة الاقتصادية الكبرى عام 1930م التي أثرت على المجتمع الأمريكي بأكمله مما أضعفت العلاقات الاجتماعية بين الأفراد والجماعات وزادت من عدد حالات الانتحار والسطو على المحلات التجارية والسرقة وأمراض الكآبة والإدمان على المخدرات وانحرافات المراهقين.

وهذه أزمة كارثية أصابت كل أجزاء المجتمع. وهناك الحرب – كأزمة كارثية – أيضاً تؤثر على المجتمع بأكمله مثل الحرب العالمية الأولى والثانية والحرب العراقية الإيرانية والعراقية الأمريكية والغزو العراقي للكويت وغالباً ما تتبلر هذه الأزمات بشكل مفاجئ فتعيق تطور المجتمع وعادة ما تسمى هذه الإعاقة بالأزمة المتهورة Precipitate Cries أي كوارث تحدث بعنف وفجأة تقع بشكل متهور فتحدث انكساراً غير متوقعاً وبشكل سريع فتؤثر سلباً على أحد الأنماط السلوكية للجماعة بحيث تلزم أعضائها على ارتجال أدوار جديدة تعبر عن ردود فعل جديدة لكن الأزمات الاجتماعية تحدث بشكل تراكمي تتطور من خلال سلسلة طويلة من الأحداث تمتد إلى مدى طويل وتحدث أضرار جسيمة.

4- قياس التفكك الاجتماعي: يمكن قياس التفكك الاجتماعي من خلال زاوية تكسر التفاعل الاجتماعي الذي يحصل بين أفراد الجماعة الواحدة أو بين أفراد المجتمع العام. لكن على الصعيد العملي فإن إعادة تنظيم حياة الفرد والجماعة تتوقف على قاعدة صلبة للمعرفة العلمية. حيث تكون دراسة التفكك الاجتماعي قائمة على الربط بين العلوم التطبيقية والحقة Pure Science العالم الحق يهتم بالمفاهيم وكيف تتطور وكيف يتم اختيارها ومدى اتساعها وشمولها؟

بينما يهتم العالم التطبيعي في ماذا تعني هذه المفاهيم وماذا تتضمن من أهداف وأغراض إنسانية ؟ فالمفاهيم الناتجة عن التفكك مثل الجنوح والجريمة والإدمان على المسكرات والانتحار والطلاق والفساد السياسي والتعصب والتمايز العرقي والثورة والحرب.. جميع هذه الصور لا تبدو مفاهيم منعزلة يستطيع عالم الاجتماع دراستها من خلال المقاييس Measurement أي قياس القيم الاجتماعية المتصارعة لكي يعرف نوع ودرجة التفكك الاجتماعي. إن قياس القيم مهمة صعبة لكنها ليست مستحيلة إذ يمكن قياس التعصب والتمايز من خلال التفاعلات الاجتماعية بين الأقلية والأغلبية داخل المؤسسات الاجتماعية.

هناك طريقة الفهرسة index التي تنطوي على ترتيب فقرات تمثل خصائص وعناصر القيمة وترقيمها عددياً متسلسلاً وربط كل فقرة أو عنصر بالمحيط الاجتماعي خذ مثالا على ذلك يمكن قياس جنوح الأحداث من خلال معرفة المشاكل العاطفية داخل الأسرة وصعودا إلى القانون الرسمي. علماً بأن يُعد التفكك مؤشراً قوياً لعدم انسجام القيم داخل النسق أما مؤشرات التفكك الفردي فإنه يتضمن إحصائيات عن جنوح الأحداث أو الجريمة مثل وجوده كنزيل في مستشفى الأمراض العقلية أو توقيف امرأة على أنها مومس أو مرضى تحت المعالجة لكونهم مدمنين أو محاولين للانتحار وغيرها.

بينما تكون فهرسة التفكك الأسري مبتدئة من فقرة الطلاق وتمر بالأمراض الزهرية لأحد الزوجين صعوداً لحالة الأبناء غير الشرعيين وانتهاء بالتفكك الأسري قبل تحويل القضية إلى محكمة الأحداث.

أما التفكك في المجتمع المحلي فإن مؤشراته تنحصر في معدل الأمية للسكان وأرقام عدد الطلبة في المنتظمين في دوامهم المدرسي ومعدل الحراك الاجتماعي والفساد الإداري والانتحار والجريمة وهنا قد يتداخل التفكك الفردي مع الاجتماعي .

وعلى مستوى التفكك العالمي International disorganization الذي يمكن قياسه من خلال أو بواسطة مؤشرات الحرب الباردة والحارة ومن خلال عدد الأفراد الذين قتلوا فيها وعدد الجرحى وعدد المجندين في مرحلة السلام وما حجم الميزانية العامة المخصصة للإنفاق على تكاليف الحرب والتسليح العسكري، وما هي الرموز المعبرة عن المواقف العدائية المتداولة في وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمكتوبة على أن تستخدم هذه كمؤشرات يتم اختبارها في محيط التفاعل الاجتماعي ومدى انسجام قيم النسق الاجتماعي.

عبر هذه المقاييس يمكن تحديد أسباب انكسار النسق الاجتماعي في المجتمع المحلي أو الأسرة أو الجماعة الاجتماعية لأنهم جميعاً يعيشوا في نسيج اجتماعي واحد.

6- هل يمكن إصلاح التفكك الاجتماعي؟ للجواب على هذا السؤال علينا أولاً أن نحدد ماذا نعني بالحل؟ في حالة استطاعة الفرد التخلص من الضغوط المتسلطة عليه أو المحيطة به والضاغطة عليه، وفي حالة إمكانية عثور الفرد على مخرج ناجح والهروب منه للتخلص من تلك الضغوط الجواب هنا يكون (كلا) لأنه لم يحل المشكلة التي يعيشها ولم يستطيع إصلاح ما تم كسره أو إعادة تنظيم ما تم فصله أو إحكام ربط المفاصل التنظيمية، بل الذي حصل هو ابتعد عن ضغوطها ومؤثراتها، أقول ابتعد عنها وعن محيطها ليس إلا.

وفي حالة عيش الفرد داخل محيط المشكلة لكنه لم يستطع أن يبقى محافظاً على مستوى عيشه، بل بمستوى أدنى بسبب ضغوطها أولا يستطيع أن يحقق طموحاته وهو يعاني من مؤثراتها، فإن ذلك لا يعني بأنه قد حل المشكلة التي يواجهها أو يعيش فيها. الجواب هنا أيضاً (كلا) أي أن الفرد لم يشرع أو يقم بحل المشكلة أو إصلاح التفكك بل خضع له وأثر عليه وعلى مستوى عيشه وأبعده عن تحقيق طموحاته أو رغائبه إلا أنه لم يستطع مقاومة ضغوطه ولم يقدر الهروب منه أو يتجنب سلبياته بشكل كامل فهو إذن لم يحل المشكلة أو يستطع ان يعالج أو يصلح، التفكك الاجتماعي الذي يعيش فيه.

لكن إذا حددنا مفهوم (الحل) بشكل أكثر حداثة وأقل شمولية عندئذ نستطيع أن نقول بأن حلها ممکن ولیست استحالة، مثال على ذلك: المجتمع الأمريكي على سبيل المثال لا الحصر، قد حل مشكلة العبودية من الزاوية القانونية مشكلة السود والبيض وحل مشكلة اللقطاء والاشتغال لمدة اثنتي عشر ساعة يوميا والاشتغال سبعة أيام في الأسبوع وقد حلت مشكلة اشتغال الأطفال (الصبية) وحل مشكلة صناعة الخمور.

بيد أن هناك تفككات اجتماعية جديدة ظهرت وتظهر باستمرار بسبب تبلور ظروف جديدة وبسبب ارتفاع مستوى المعيشة وتبدل معايير العيش بمستوى مرضي ومقبول الأمر الذي أدى إلى بزوغ وتشكل تفككات اجتماعية جديدة أخذت مكانها في النسيج العلائقي والمحيط الاجتماعي والأنماط البنائية، وإزاء ذلك فإن المشكلة الاجتماعية لم تحل بل تم استحلالها من قبل مشكلات وتفككات مستجدة ومستحدثة وحديثة التكوين بحيث أبعدت التفككات السابقة وحلت محلها تفككات جديدة والبعض الآخر أخرج تفككات مستحدثة بسبب تنامي التفككات القديمة. مثال على ذلك تكوين أسره (من زوج وزوجة وأبناء) بدون عقد زواج أي عن طريق الصداقة وهذا ما هو قائم في المجتمع الغربي ومقبول شرعاً – قانوناً.

نقول أن بعض التفككات قد تم حلها بسبب متطلبات التطور العصري والقسم الآخر طغت عليه تفككات مستحدثة – مستجدة قلل من آثار الأولى وسلبياتها والقسم الثالث تفاقم فأخرج تفككات حديثة ناتجة عن القديمة. لا جرم من الإشارة في هذا المقام إلى رؤية فلاسفة التنوير الفرنسيين القائلة بأنه لا يوجد حدود للتقدم وان الانسان غير قادر على الوصول الى مرحلة الكمال المطلق وعلى الرغم من الانجازات الهائلة التي قام بها الإنسان في استخدامه للوسائل العلمية في السيطرة على الطبيعة إلا اننا غير متفائلين في الوقت الراهن بقدراته العقلية المحدودة وغير متأكدين من طاقته الإبداعية لأن أفعال وإبداعات وابتكارات الفرد والتغيرات الاجتماعية ما هي سوى ثمرة عوامل لا قدرة ولا سلطة للمر بالتحكم فيها (أي جبريين بمعناه القديم) طالما يعتقد وإبان كل شيء قديم قد تم استقراره منذ زمن بعيد وأنه لا توجد هناك حرية مطلقة لتحكم الإنسان في الطبيعة إنما هناك حركة محدودة لتحرك الإنسان لتحرك الانسان فيها.

نفهم من هذا النص بأن قدرة وطاقة الفرد الإبداعية محدودة ومقيدة بقيود محيطها وزمانها وليست مطلقة وهذه عقبة أخرى تواجهنا في الجواب على سؤالنا الرئيس في إمكانية حل التفككان أي هناك تفككات مستمرة بالظهور طالما الحياة الاجتماعية في تغير دائم بجانب ذلك محدودية طاقة الفرد في معالجة ما يواجه من مشكلات وتفككات إضافة إلى ذلك بأن كل تنظيم اجتماعي لم يتم إقامته بين ليلة وضحاها بل بسنتين وعقول وجهود متضافرة ومؤمنة بأهدافها، وعند تصدعها أو تفككها بسبب تأثير عوامل التغير فإن معالجتها تحتاج إلى عقول مؤمنة بأهدافها وليس بأهداف، أخرى جديدة بلورتها الأحداث الحديثة ولهم طموحات غير طموحات التي حملها الذي أرسوا التنظيم ولأن التغير مستمر وآثاره السلبية والإيجابية مستمرة. أي أن المشاكل والتفككات الاجتماعية تمثل الآثار السلبية للتغير.

اذن لا حدود ولا سدود أو موانع للتفكك، لأن الانتحار والبطالة – على سبيل المثال في تزايد وكلما حاول الإنسان معالجتها تفاقمت أنواعها ودواعيها، وكلما ظهرت تشريعات تمنع اشتغال الصبية المبكر، زاد انخراطهم بالسلوك الجانح وهكذا. فلا يوجد حلاً جذرياً لكل التفككات لأنها تظهر نتيجة لكل تغير التي بدورها تولد تفككات أخرى، لكن هذا لا يعني أنا لا نستطيع أن نعالج المشكلات والتفككات، لأنه هناك محاولات جادة وناجحة من قبل الاجتماعيين والنفسانيين والاقتصاديين، والسياسيين في المعالجات.

إلا أننا نواجه دائماً وبشكل مستمر مشكلات. وتفككات مستجدة تتطلب علاجات من نوع ثاني وهكذا فإننا في تسابق جاري مع ظهور المشكلات والتفككات وكيفية علاجها إلا أن عددها في تفاقم كما ونوعاً لا نستطيع احتوائها وعلاجها جميعها بل بعضها والبعض الآخر يستعصي علينا والآخر يتراكم ويتوسع لا يمكن علاجه يستمر مع عيش الناس الذين يمارسوه ويختفي مع موتهم أو فنائهم.

فالحل شيء نسبي وليس مطلق ولا يمثل المفتاح السحري أو سيد المفاتيح كافة المشاكل والعقد ويصلح التفككات لذا علينا أن نفهم أن التفككات والمشكلات الاجتماعية قائمة ومستمرة في قيامها طالما التغير قائماً وطالما التغير سنة الحياة وطالما قدرة الإنسان محدودة في السيطرة والتحكم بكل شيء ولأن مصالحه متعددة ومتنوعة وطموحاته لا حدود لها فإن ذلك يعني أن التفكك الاجتماعي يمثل سنة الحياة الاجتماعية الدائبة بالنمو والتقدم والتغير.

قد يعجبك ايضا