جوان عبد الله
لكل أمّةٍ رمزٌ يذود عن حياضها وقوةٌ تحمي وجودها وتاريخٌ تختزل فيه فخرها؛ ونحن كأمةٍ نجد في قوات البيشمركة تجسيداً حياً لهذا الفخر وصمام أمانٍ لبقائنا. لذلك إذا رجعنا إلى التاريخ السياسي المعاصر، نجد أن قوات البيشمركة لم تكن وليدة تسويات سياسية عابرة، أو نتاج تشريعات قانونية فرضتها مرحلة ما بعد عام 2005 لغرض دمجها في بنية العراق الاتحادي؛ بل إن هذه التسمية في الوجدان الكوردي -والتي تعني حرفياً “مَن يواجه الموت”- تلخص تاريخاً ممتداً من الصمود وحق البقاء.
لقد تشكلت هذه العقيدة العسكرية والنفسية عبر مسار طويل من النضال القومي للحركة الكوردية في مواجهة سياسات الاستبداد والإقصاء التي انتهجتها السلطات المركزية المتعاقبة. وتكشف قراءة هذا المسار التاريخي عن تحول بنيوي عميق، نقل البيشمركة من إطار “حركات التحرر الوطني” المسلحة التي نضجت في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، إلى “مؤسسة أمنية وقانونية نظامية” تابعة لإقليم كوردستان عقب انتفاضة عام 1991.
هذا الواقع المؤسساتي فرض نفسه كركيزة أساسية عند إعادة صياغة ملامح الدولة العراقية عقب محطة التغيير السياسي عام 2003، والتوجه نحو إعادة هيكلة النظام وتأسيس معالمه الدستورية، حيث برزت الفيدرالية آنذاك كطرح إستراتيجي من المكون الكوردي؛ كاستجابة موضوعية لضمان وحماية المكتسبات الفعلية المتحققة، وصمام أمان يمنع ارتداد الدولة نحو المركزية المطلقة.
وارتباطاً بهذا التوجه الإستراتيجي، نالت قوات البيشمركة حصانة قانونية حاسمة في المرحلة الانتقالية من قِبل سلطة الائتلاف المؤقتة بموجب الأمر التشريعي رقم (91) لسنة 2004 الخاص بـ “تنظيم القوات المسلحة والميليشيات في العراق”. ففي الوقت الذي قضت فيه سلطات الائتلاف عبر “أمر حل الكيانات” بفصل وحل الجيش العراقي والمؤسسات الأمنية والاستخباراتية للنظام السابق، استثنى الأمر (91) قوات البيشمركة صراحةً من هذا الحل مستنداً إلى “قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية”، الذي سمح في مادته (54/ب) بالاعتراف بها كـ “قوات مسموح بها بشكل خاص” تتولى مهام الأمن الداخلي والدفاع المحلي في الإقليم، ناظراً إليها كقوات حكومية نظامية لا كـ “ميليشيات” خارجة عن القانون.
ومع تصويت الشعب العراقي وإقرار الدستور الدائم لعام 2005، توج هذا المسار الانتقالي بترسيخ الشرعية التاريخية للبيشمركة ضمن معادلة اتحادية أوسع؛ إذ حسم المشرّع الدستوري الوضع القانوني لإقليم كوردستان وسلطاته القائمة بموجب المادة (117/ أولاً)، معترفاً به كإقليم اتحادي. هذا الاعتراف اقترن بحصانة تشريعية مطلقة وفرتها المادة (141)، التي أضفت الشرعية الدستورية على المنظومة القانونية للإقليم الصادرة منذ عام 1992، معتبرةً كافة القوانين والقرارات والعقود المبرمة نافذة ومستمرة، وحصرت حق تعديلها أو إلغائها بالجهات المختصة داخل الإقليم نفسه.
وفي هذا السياق الدستوري الأسمى، لم يذكر الدستور اسم “البيشمركة” صراحة في نصوصه المكتوبة، ولكنه منحها الشرعية الكاملة تحت مسمى قانوني منضبط وهو “حرس الإقليم” بموجب المادة (121/ خامساً) التي نصت على أن حكومة الإقليم تختص بإنشاء وتنظيم قوى الأمن الداخلي للإقليم، كالشرطة وحرس الإقليم والأمن المحلي. وبما أن وزارة شؤون البيشمركة وقواتها كانت الكيان العسكري القائم والمنظم قانونياً في الإقليم، فإن مصطلح حرس الإقليم جاء كشرعنة دستورية قاطعة لهذه القوات بوصفها جزءاً أصيلاً من المنظومة الدفاعية والسياسية للدولة الاتحادية.
وبناءً على هذا التأصيل الدستوري، تخلص القراءة القانونية المنضبطة إلى خصائص وميزات قانونية تجعل وضع قوات البيشمركة مختلفاً جوهرياً عن أي تشكيلات أمنية أخرى استُحدثت بعد عام 2003. وتتمثل أولى هذه الميزات في الحصانة من الإلغاء بقرار سياسي؛ فبما أن وجود القوات مستمد من صلب الوثيقة الدستورية الأم، فلا يمكن لأي قرار حكومي، أو مرسوم وزاري، أو حتى قانون عادي يصدر عن مجلس النواب الاتحادي أن يحل هذه القوات أو يمس بوجودها، بل يتطلب أي تغيير في مركزها القانوني تعديلاً دستورياً معقداً يمر عبر استفتاء شعبي لسكّان الإقليم.
وتنبثق من ذلك ميزة التبعية القيادية الحصرية للإقليم، حيث أفرد الدستور تنظيم وإنشاء هذه القوات لحكومة الإقليم حصراً، مما يعني قانوناً أن القائد العام لهذه القوات هو رئيس الإقليم، وتأتمر القوات بالقرارات الإدارية والعسكرية الصادرة عن سلطات كوردستان. وعلى الرغم من هذه الخصوصية الإدارية، يصنف الفقه الدستوري البيشمركة كشريك أصيل في المنظومة الدفاعية الاتحادية العامة للدولة لحماية حدود الإقليم من التهديدات الخارجية، وهو ما تُرجم عملياً باعتراف دولي في الحرب ضد تنظيم “داعش” الإرهابي، والتنسيق الميداني المشترك مع الجيش الاتحادي.
وتأسيساً على ما تقدم، تصبح مقارنة قوات البيشمركة بالفصائل المسلحة التي ظهرت عقب عام 2003 أو تمددت في سياق الحرب على داعش مقارنة تفتقر إلى أدنى مستويات الموضوعية السياسية والقانونية. فبينما تمثل البيشمركة ركيزة أمنية ومؤسسة دستورية قائمة ومحمية بقوانين اتحادية ومحلية مستقرة، تمثل الفصائل الأخرى ظواهر أمنية استثنائية وليدة الأزمات، ولاتزال محل نزاع دستوري حاد نظراً لضبابية ولاءاتها العسكرية، وارتباط بعض أجنحتها بصراعات إقليمية وعقائدية تتجاوز حدود القرار السيادي العراقي الرسمي.