إبراهيم اليوسف
صدرت حديثاً للشاعر السوري الكوردي يونس الحكيم مجموعته الشعري الأولى (إلى الغرب، باتجاه الشام) في خطوة طال انتظارها بعد مسيرة طويلة مع الكتابة والإبداع امتدت لما يقارب نصف قرن. فمنذ أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات، انشغل الحكيم بالقصيدة كملاذ وحيد لأحزانه وأسئلته، وظلّ مخلصاً لها حتى وهو يعيش على هامش النشر والاعتراف الرسمي.
ينحدر الحكيم من مدينة عامودا، تلك المدينة التي أنجبت أجيالاً متلاحقة من الشعراء، ويقيم اليوم في ألمانيا – في مدينة فوبرتال – بعد أن عاش سنوات في دمشق طالباً وجندياً وموظفاً في الصحافة، حيث شكّلت العاصمة فضاءً آخر لأسئلته الشعرية، إذ جمعته بحوارات المدينة الكبرى، فيما ظلّت الذاكرة الأولى- مشكين وعامودا- تسكن قصيدته بإصرار.
مجموعة (إلى الغرب، باتجاه الشام) الشعرية تضم ستاً وعشرين قصيدة كتبت بين عامي 1995 و2003، من بينها: عودة المشكيني، هجرة، منفى، اغتيال، إلى الغرب باتجاه عامودا، جسد نحيل عام 1982. نصوصه تتسم بــحساسية عالية، ولغة بسيطة وشفافة، وصور مؤثرة تبني إيقاعاً داخلياً متدفقاً، يعكس عوالم المنفى، وحنينه إلى طفولة عامودا، وأسفاره القسرية نحو الغرب. قصيدته تنبني على نبض وجداني عميق، يجمع بين الشجن الشخصي والجرح الجمعي، ويحوّل التجربة الحياتية إلى بوح شعري يلامس القارئ مباشرة.
ومنذ أول قصائد المجموعة، يتبدّى أن الحنين ليس لعبة لغوية محايدة، بل هو جذرٌ نابض يستعيد عبره الشاعر صوته وملامحه. ففي قصيدة (هجرة)، يضع القارئ أمام مفارقة الرحيل:
لا نعرف كيف هاجرنا
كيف ودعنا النعناع
في أحواشِ أهالينا
ونحن نصرّ ما بقي لنا من وطنٍ وأغانٍ
أي مكان يتسع لنا؟
يونس الحكيم – المجموعة
هذا المقطع يختزل حنينه للبيت الأول، وللطفولة الغافية في رائحة النعناع، وهو حنين يتجاوز المكان ليصبح بحثاً عن هوية، عن وطنٍ لم يعد يتسع. هنا يستدعي يونس الحكيم مشكين كجرح متجذر، ويعيد عامودا كذاكرة، ودمشق كمرحلة دراسة وجندية إلزامية وشغل، قبل أن يقذفه القدر إلى المنفى الألماني حيث يعيش منذ نحو ثلاثين عاماً في فوبرتال.
وفي قصيدة (حب) يلمّح إلى أن العاطفة الشخصية امتدادٌ للارتباط بالمكان والذاكرة:
أحبكِ أكثر من العامِ الماضي
وأحتاج إليكِ الآن
مثلما الآن أموت
أحبكِ أكثر مما قالوا لكِ”
يونس الحكيم- المجموعة
هنا يبدو الحب ملاذاً موازياً للوطن، بديلاً مؤقتاً عن حضن مفقود. إذ يتحول العشق إلى وسيلة لمداواة جرح الغربة، حيث تتماهى صورة الأنثى مع صورة الأرض، ومع رائحة البيت في مشكين أو زقاق في عامودا. إذ يتشابك الحنين بالحب في نصوص المجموعة، ويغدو الاثنان وجهاً واحداً لمعنى الانتماء. فالقصيدة عند يونس الحكيم هي عودة متجددة إلى الوطن عبر اللغة، وهي حوار مع الأنثى التي ترمز للبيت والأرض، في دمشق كما في عامودا، أو مشكين البيت، حتى وهو يكتب من غربته الطويلة في ألمانيا.
يمثل الحكيم امتداداً لجيل من الشعراء العاموديين- أبناء عامودا- الذين أغنوا المشهد السوري الحديث، مثل: الشاعر الراحل محمد عفيف حسيني وآخرين، إلى جانب أصوات أخرى من الجزيرة لا يمكن الحديث عن الشعر السوري من دون استحضارها. ينتمي إلى هذه السلالة التي جعلت من القصيدة فضاءً لليومي والوجداني، وفتحت الباب أمام حضور الشعر الكوردي المكتوب بالعربية في نسيج إبداعي لافت.
إن صدور هذه المجموعة ليس مجرد إضافة ورقية أو رقمية إلى رفوف المكتبة، بل هو عودة جد متأخرة. مؤجلة، لصوت ظل يكتب بصمت لأكثر من خمسين عاماً، مثل بعض التجارب الكوردية الموازية التي لم تصلنا إلا متأخرة، منها حالة الشاعر المغترب خضر سلفيج. وهنا تبرز قيمة يونس الحكيم كشاعر عصامي، حمل همومه وأحزانه وذاكرته من دون تكلّف، وصاغها في قصيدة نثر متدفقة، صافية، وعابقة بإيقاع الروح.
في باكورته الشعرية الصادرة عن hrrk في 120 صفحة من القطع الوسط وبغلاف من تصميمه يضع الحكيم تجربته بين يدي القرّاء، مسجلاً أن الشعر حين يُكتب بصدق وعمق، يستطيع أن ينتظر نصف قرن قبل أن يطلّ، دون أن يفقد بريقه أو أثره.