المنفى: الورشة السرية لإعادة تدوير الأرواح

ميونخ: ياسر بادلي

في مكانٍ بعيدٍ عن ضجيج الأصل، حيث تتكسّر الجذور وتضيع ملامح الأمكنة، يُلقى الكاتب في عراءٍ وجوديٍّ اسمه: المنفى. وهناك… لا أحد ينتظره، سوى الورقة البيضاء، تلك الوحيدة التي تعرف كيف تصغي لأنينه دون أن تَشْرُد. المنفى ليس خريطة تُطوى، ولا تذكرة باتجاهٍ واحد.

إنه مختبرٌ فوضويّ، تتفاعل فيه كيمياء الذاكرة مع رماد الانتماء، وتُصهر فيه اللغة داخل أفران الحنين العالية. هو المكان الذي يُجبرك أن تُعرّي ذاتك من كل أقنعتك، أن تكتب لا لتُرضي أحدًا، بل لتقاوم الاختفاء. في المنفى، يتحول الكاتب إلى كائنٍ لغويّ مشبّع بالحقيقة، لا تعنيه السلطة، ولا الجغرافيا، ولا صوت الجماهير.

يكتب لأنه يختنق، يكتب لأنه إن لم يكتب، سيتحوّل جسده إلى ورقٍ محترق.
كل سطرٍ يخطّه هناك، هو محاولة نجاة، وصوتٌ يخترق فراغ العالم صارخًا:
أنا ما زلت أتنفّس رغم كل هذا البُعد.

الغربة تعلّمه كيف يحوّل الخسارة إلى قصيدة، والنفي إلى نَفَس. تلك الغرفة الضيقة، التي ضمّته ككفّ مغلقة، لم تكن سجنًا، بل كانت رحمًا جديدًا. خرج منها محمولًا على حروفه، طفلًا لغويًا مشاكسًا، لا يعرف إلا أن يقول الحقيقة ولو بلغةٍ غريبةٍ ومكسورة. في المنفى، لا يكتب الكاتب ليُعجب، بل ليبقى. الكتابة تصبح طقسًا مقدّسًا للنجاة من التلاشي.

وهكذا، كلما اتّسعت دائرة الخسارة، اتّسعت معها مساحة الإبداع، وكلما زادت البرودة حول قلبه، اشتعلت الكلمات داخله كأنها شظايا نيازك ساقطة من مجرّات الألم. المنفى لا يُعاقب الكاتب، بل يكشفه. يعرّيه حتى العظم، ثم يمنحه ريشةً مبلّلة بالوجع ليعيد رسم ذاته، كما يشاء، خارج الأطر، خارج الخرائط، خارج كل شيء… إلا الكتابة!

قد يعجبك ايضا