دلزار اسماعيل رسول
ظل مستمرا على نفس وتيرته اليومية، من قريته الى مدرسته التي تقع في قرية أخرى تبعد ساعتين على الاقدام. حافي القدمين لم يتجاوز التاسعة من عمره، بخطى وئيدة. يحثه شغفه بالتعلم وأن لا يكون مزارعاً يستغله الاقطاعيين الذين لا ينفكون ينصحون الفلاحين بعدم إرسال أبناءهم الى المدارس لأنها تدرس العلوم الشيطانية، بينما هم ابناءهم يتلقون التعليم في أحسن المدارس و الكليات في اربيل، لقد كان فطناً ذكياً منذ نعومة أظافره، بادياً فيه أمارات و سيماء الكياسة و النبوغ.
استمر على طريقه الطويل، على تلك البقعة الجافة المتشققة، فقلما يهطل الامطار فيه، كأنت الارض فاتحة فاها، متلهفة لقطرة من الماء لا اكثر ولكن رغم قساوة الطريق واشعة الشمس اللاهبة، وتصبب العرق منه، لديه مشكلة أكبر وهي الطريق المليء بالأشواك التي لا تنفق تدخل أقدامه الحافية، فليس بوسعهم الحصول على حذاء، فقط بوسع المرفهين وابناء الاقطاعيين الحصول عليها، والتنعم بها، وطالما تبختر ابناء الذوات عليه بسبب احذيتهم الجديدة.
فيما كان يجر نفسه جرا، بسبب تعبه المضني، وعطشه الشديد، إذ لمح شبحاً بعيداً، ولكنه ظن أنه سراب بسبب جهده الشديد، فكثيرا ما تراوده تلك الحالة، يومياً، بسبب ما يلاقيه من ويلات ذلك الطريق المشئوم، لكنه ما لبث أن لاحظ أن ذلك الشبح بدأ يقترب منه أكثر فأكثر حتى بدت ملامحه تشبه ذئباً رمادياً كبيرا، وبما أنه من أبناء القرى فأنه لا ينفك أن يرى الذئاب في الوديان والجبال، حتى أصبح شيئاً مألوفاً لديه، ولكن نظرات الذئب هذه المرة لا تبدو مألوفة، حيث يبدو عليه أنه يخطط لشيء ما.
أستمر على مسيره في ذاك الطريق، والذئب على أثره، وبين فترة واخرى يلتفت اليه فيرى أنه بدأ يقترب منه اكثر فاكثر، والمسافة بينهما تقل تدريجياً، حتى بات على مرمى رمي الحجارة عليه، فحمل حجارة و قذف بها نحوه، ولكنه لا يتوانى ولا يتراجع، بل ظل مستمرا على أثره.
اقترب الذئب منه كثيراً، حتى بات يزحف نحوه على أرجله الاربع رويداً رويداً، فعلم أنه يبيت له شراً و يريد الانقضاض عليه و الفتك به واتخاذه فريسة يقتات بها، ولكنه ليس بذاك السهل الاصطياد، فتوقف في مسيره و بات يحمل الحجارة بإحدى يديه و يرميها بيده الاخرى، فهو رامي بارع، طالما كان يتدرب في ربوع قريته مع صبيان حييه، فارسل له سيلاً من الحجارة المتلاحقة، فيصيبه مرة و يخيب أخرى، ولكن الذئب لا يرجع عن عناده ولا يحيد عن قراره، فيقترب منه اكثر فاكثر، وهو مُصِّرٌ على الدفاع عن نفسه وعدم الاستسلام لهذا الذئب الجائع، حتى وصل به الامر أن يقذفه باحجار كبيرة، يصعب على من في مثل سنه أن يحملها ولكنه الصراع من أجل البقاء،
لم يكن الخوف من شيمته، ولكن اصبحت زفراته متقاربة، وأنفاسه متلاحقة، فلقد بات قريبا منه قاب قوسين أو أدنى، فليس هناك مثل الذئب في عناده وجوره، حينما يصبح جائعاً، ولكنه لن يستسلم بسهولة، ولسوف يقاتل حتى أخر رمق من جهده وقوته.
استمر في صراعه مع الذئب، حتى تأخر على موعد مدرسته، يتأخر الذئب خطوات ثم يعيد الكرة، فيضربه بضع مرات، فيرجع القهقري، ثم يزحف الذئب نحوه مثل ديدنه السابق، الى أن لاح بصيص أمل في الأفق.
سمع نباح الكلاب من بعيد، فلقد حضرت نسوة الى هذه الوديان لاستخراج الاعشاب الصالحة للأكل في هذه الارض التي تنبت فيها مع بداية الربيع، ومنذ قديم الازل، تراودها من ينتفع بها سواء بطبخها أو استعمالها في الطب والمداواة.
ما أن سمع الذئب نباح الكلاب، عدوه اللدود، حتى رجع عن غيه، خائباً مذعوراً يجر أذيال الهزيمة والخذلان، وانتصر الفتى بصبره وجَلَده.
رغم هذه الحادثة لم يحيد عن طريقه واستمر في ارتياد مدرسته البعيدة تلك، رغم المآسي وسنوات الحرمان، حتى قطف أخيراُ ثمرة جهده وأصبح استاذا مرموقاً في أربيل.
الان،.بين الفينة و الاخرى ،يأتي الى تلك القفار مرة أخرى بسيارته الفارهة و يتذكر أيام الصبى بعد أن وصل لمرحلة الشيخوخة، و يبتسم في قرارة نفسه و الدموع تسيل في عينيه، ويشتاق لأيام الصبى ،وللذئب.
قصة واقعية