الشاعر مؤيد الطيب : لا أكتبُ من أجل تحنيط اللحظة، لستُ مؤرِّخًا ولا صحَّافيًا. أتعامل مع اللحظة ككيفية تجلٍّ وظهور، لا كـما وقعت

مؤيد طيب، شاعرٌ كرديّ معاصر، بدأ كتابة الشعر 1973. منعت الرقابة ديوانه الأول (أغنية الثلج والنار) سنة 1979، فنشره 1992. يكتب بلغته الأم ويشتغل على التجريب وكسر الأنماط، مُعرِّفًا القصيدة بوصفها تنبيهًا يفتح العالم أمم تأويلات لانهائية، ويشيّد لكل قارئٍ سفينته الخاصة.

 

أجرى الحوار: عبدالكريم يحيى الزيباري

س: كيف ومتى دخلت عالم القصيدة؟ وما هي أهم المراحل التي مرَّ بها شِعرك؟
ج: بداية كتابتي تعود إلى العام ١٩٧٣، وفي ذلك الوقت كنت اعتقد بأنَّ “الشعر كلام موزون مقفى وله معنى”، في العام 1976 عرفت بأن الشعر أكثر من ذلك. وفي المرحلة الثانية ابتعدت عن المباشر والواضح، وبدأت في التجريب وما زلت.

س: ما الذي تغير بعد 1976؟ تعريف الشعر أم طرائق صناعته؟ ما الذي حدث وجعلك تعرف أن الشعر أكثر من ذلك؟
ج: قرأت لشعراء معروفين من الكورد والعرب والكثير من الشعر المترجم. من الشعراء الذين أعجبت بهم في بداياتي: السياب، محمود درويش، البياتي، صلاح عبد الصبور. بدرخان سندي، عبدالرحمن مزوري، شيركو بيكه س.

س: هل نشرت بعض القصائد قبل أنْ يتغير مفهومك للشعر بين 1973- 1976؟ أول قصيدة؟ أول ديوان؟

ج: كنتُ أقرأ قصائدي للأصدقاء بشكل شفاهي. نشرت أول قصيدة في جريدة هاوكاري 1977 بعنوان (أغنية الثلج والنار) وهو عنوان أول ديوان حاولت طبعه 1979، لكن الرقابة رفضته فطبعته 1992.

س: أثناء تنقلك بين عدة دول، وإتقانك للغتين السويدية والعربية، هل حاولت كتابة قصيدة بغير اللغة الأم؟
ج: كنت وما زلت أعتقد، بأنَّ اللغة الأم أفضل لغة للإبداع الأدبي، لذلك لم أجرب أبدًا الكتابة بغير اللغة الكوردية.

س: باعتبار الشاعر ناقدًا لشعرهِ أولاً، ما هي أهم المراحل التي مرَّت بها قصيدة مؤيد طيب؟
القصيدة تبدأ بخاطر في ذهني وهذا يأتي من التأمل أو الإحساس أو سماع شيء أو القراءة. هناك مصادر عديدة للإلهام.

س: هل ترى أنَّ الشاعر يكتب قصيدته ليعيد قراءتها كنصّ غريب عنه؟ هل تتحول القصيدة إلى آخر يواجهك؟

ج: نعم، أخطط لكل خطوة قبل وأثناء الكتابة، لكن عند إعادة قراءة القصيدة وتنقيحها، تفاجئني بعض التعابير والصور.

س: هل ترى أن الشعر عندك وسيلة لتجاوز الذات الفردية والاندماج في تقليد ثقافي أوسع، كما يرى إليوت، أم أنه يظلّ سيرةً للذات وهروبًا من قيودها اليومية؟
ج: الشعر عندي هو الاثنان معًا. ليس هناك شاعر لا يصبُّ مشاعره وأفكاره وأحاسيسه في عمله الشعري. لكل شاعر رؤيته الخاصة عن الشعر والعالم والذات والآخر، وهذه الرؤى تتجلى في شعره. حتى إليوت في (الأرض اليباب) إنما أراد التعبير عن خيبة ظنه بالمجتمع البريطاني، متداخلاً مع التراث العالمي.

س: ذكرت (حتى إليوت… متداخِلًا مع التراث العالمي)، فهل تُصمِّم قصيدتك لتكون مفصلًا تنعقد فيه الذاكرة الثقافية مع التجربة الشخصية، أم أن التجربة تُخضِع الذاكرة لإعادة كتابة مستمرة؟
ج: ننهل جميعًا، من الذاكرة لنرى الحاضر في صورة أوضح، الذاكرة أهم مصادر الإلهام والمستقبل.

س: هل ترى القصيدة علامةً تُشير إلى غياب بقدر ما تُعلن حضورًا، أي أثرًا يترك فراغًا أو يكتشفُ سؤالاً، أكثر مما يملأ المعنى أو يطرح إجابة؟
ج: تعلن غيابا وحضوراً في نفس الوقت، غياب الشجرة وحضور الكرسي أو السرير. القصيدة تترك فراغاً يستثير القارئ ليفكر ويتأمل ويطرح سؤالاً يرجو له أن يظل بلا جواب، الشاعر يشعر بالزلزال قبل وقوعه، ويطرح أحلامه بعالمٍ أجمل وأفضل يفاجئ القارئ ويدهشه.

س: هل تنظر إلى الشعر كأثر يحضر ويغيب في آنٍ واحد، أي محاولة لإبقاء العالم مفتوحًا على تأويل لا نهائي، أم كصوت يريد أن يخلق حقيقة جديدة مغايرة؟
ج: إبقاء العالم مفتوحًا على تأويل لا ينتهي، بوصفهِ تنبيه، كما في قصيدة قصيرة حيث أقول (حتى الأموات يعرفون/ بأنَّ الطوفان في طريقه إلينا/ لكن اين السفينة؟) كذلك في قصيدة (لا الموت يريدني ولا أنا الحياة) والتي نشرت في مجلة أدبية ألمانية مرموقة. Sinn und Form

س: هل قصيدتك، تنبيهٌ يترك العالم مفتوحًا على تأويل لا ينتهي، في أفقِ تعريةِ المألوف وإعادةِ إدراكه، أم تمارس فعلًا تأسيسيًا يبني سفينة لعالمٍ جديد وممكن، أم تؤجّل الخلاص عمدًا وتُبقي سؤالَ السفينة أفقاً مفتوحًا؟
ج: التأويل الأبدي تنبيه، والقصيدة تنبيه وتأسيس للسفينة التي ينتظرها الجميع ولكلِّ فردٍ سفينته الخاصة في وجه الطوفان.

س: لم ينفك البشر يعيشون بين الطوفان والسفينة، فهل تكتب لتجديد إدراكنا للعالم المألوف، أم لتشييد عالمٍ آخر لم يوجد بعد؟
ج: من خلال معرفتي بالتاريخ، تاريخ البشرية عبارة عن التأرجح بين الطوفان والسفينة، لكن هذه المرة، قد لا نجد سفينة! لأنَّ الطوفان يتطور ويكبر والسفينة كما هي، بل تتراجع وتصغر.

 

س: هل تبني قصيدتك على استعادة زمنٍ مفقود (ذاكرة جريحة، حنين إلى ماضٍ بعيد) أم على محاولة تأويل الزمن بوصفه تجربة أنطولوجية مفتوحة؟
ج: لا أكتب بدافع حنينٍ مُجمِّلٍ للماضي؛ ماضينا ليس فردوسًا مفقودًا ولا جحيمًا مقيمًا، بل قوّةٌ تعود كأثر يشتغل داخل الحاضر، لذلك أبني قصيدتي على تأويل الزمن بوصفه خِبرةً أنطولوجية مفتوحة لا على استعادة زمنٍ مفقود، فما يعود في النص ليس الماضي نفسه، بل أثرُ الماضي المنغرس فينا جروحاً وندوبًا وأسئلة يعيد الحاضر صياغتها لامتحان اللحظة الراهنة، وتشتيت معناها الآن وهنا.

س: أنتَ تربط بين القصيدة واللحظة الراهنة، فهل تكتب لتجميد لحظة عابرة في لغة شعرية، أم تكتب لتفجير اللحظة الراهنة بحيث تصير رمزًا يتجاوز زمانها؟
ج: لا أكتبُ من أجل تحنيط اللحظة، لستُ مؤرِّخًا ولا صحَّافيًا. أتعامل مع اللحظة ككيفية تجلٍّ وظهور، لا كـما وقعت. أُلبِّي نداءها بتعبير وكلمات آنية، ثم أُخضعها للحذف والتنقيح والإرجاء والاستعارة، بغية تحويلها إلى بنيةٍ شعرية تأويليّة، أي إلى أثرٍ قادرٍ على الإقامة خارج الزمن. أعلم أنَّ الديمومة ليست حقًّا للغة، لذا أعترف باكتمالٍ ناقص، فأحيانًا تكفيني شهادةٌ للحاضر بالحاضر، وأحيانًا تنقدح من اللحظة أيقونةٌ رمزيّة تتجاوز ظرفها وتُستدعى مستقبلًا كإمكانٍ لا كذكرى.

 

س: ما الذي يتسرّب عند ترجمة قصائدك؟ هل حدث ذات ترجمة، أنَّ هناك صور أو كلمات مهمة أهملها أو أخطأ فيها المترجم؟
ج: تشيع لدينا فكرة خاطئة بأن من يعرف لغتين، يستطيع أنْ يترجم. والتسرب زيادةً أو نقصاناً، يعتمد على المترجم، وثقافته وإلمامه باللغتين، ويؤلمني أنَّ هذا حدث ويحدث، ولن أذكر الأسماء بالتأكيد، لكن ترجمة د. ماجد الحيدر دقيقة وجميلة. هذا ما يخص الترجمة إلى اللغة العربية التي أجيدها، أما الترجمة إلى اللغات الأخرى فلا يسعني الجواب.

س: حين تغادر القصيدة لغتها الأم، تتبدّل النبرة والموسيقى الخفيّة، لكن ما الذي يبقى من شبكة الإحالات الثقافية وآركيولوجيا الكلمات؟ هل ترى الترجمة خسارةً للنص أم تبادل ثقافي جمالي ضروري لفتح آفاق جديدة للعالمين؟
ج: القصيدة تفقد كثيرًا من طراوتها وسلاستها بعد أنْ تغادر لغتها الأصلية، لكن هناك قصائد ترجمت إلى كل اللغات، وحافظت على جمالها، كقصيدة إليوت (الأرض اليباب). وأظنَّ هذه الجمالية، تعتمد على مهارات المترجم وثقافته، والتقارب بين اللغتين، فالترجمة من الإنكليزية إلى السويدية، أسهل من الترجمة إلى العربية. بينما الترجمة من الفارسية إلى العربية أسهل. فالشعر غالباً ما يلجأ إلى تعبيرات محلية وشعبية، ولا يمكن لهذه التعبيرات أنْ تظهر في لغة أخرى، بدون شروح وهوامش.

قد يعجبك ايضا