مهدي كاكەيي
من أهم أسباب أهمية دين يارسان لشعب كوردستان هي ما يلي:
1. يُمثّل دين یارسان جزءاً مهماً من التاريخ والتراث والأدب والشِعر الكوردي واللغة والثقافة والمعتقدات الكوردية التي لا يمكن الاستغناء عنها.
2. دين یارسان يُعيد الى الانسان الكوردستاني ثقافته الأصيلة ويحافظ ويطوّر لغته وينقذه من غسل الدماغ الذي تعرض له خلال مئات السنين.
3. دين یارسان دين مسالم، ليس ديناً شمولياً، منفتح يخلق مجتمعاً كوردستانياً منفتحاً، يتقبل المعتقدات والآراء المختلفة، ليعيش الإنسان بِحُرّية ويتحلى بالتسامح والسلم والسلام وأنه دين لا يتدخل في السياسة وبذلك لا يفرض القوانين والتشريعات الدينية على المجتمع الكوردستاني.
4. في دين یارسان يُكمّل المرأة والرجُل بعضهما البعض، حيث أنهما متساويان في الواجبات والحقوق ويمنع تعدد الزوجات على معتنقيه.
5. إنتشار دين یارسان في المجتمع الكوردستاني، يقطع الطريق على محتلي كوردستان لإستغلال المواطن الكوردستاني بإسم الدين والمذهب لخدمة قومياتهم ودولهم والتاريخ الكوردي حافل بإنخداع الكوردستانيين بأكاذيب المحتلين من خلال الدين والمذهب.
6. بسيادة دين یارسان في المجتمع الكوردستاني، لا يقوم الانسان الكوردستاني بالالتحاق بالمنظمات الإرهابية مثل داعش والقاعدة أو الميليشيات الشيعية.
7. بإنتشار دين یارسان في المجتمع الكوردستاني، تختفي الخزعبلات الدينية ويُركّز المجتمع على العِلم والثقافة والبناء والتقدم والتحضر وبناء نظام ديمقراطي، يوفّر الرفاهية والاستقرار والطمأنينة للشعب.
8. سيادة دين یارسان في المجتمع الكوردستاني، تقطع العلاقة الدينية بين شعب كوردستان والدول المحتلة لكوردستان والتي سوف تكون عاملاً حاسماً في تحرر كوردستان وتوحيدها.
وإلى جانب الكورد، تَعيش في الشمال مجتمعات مسيحية ذات أصلٍ إثنيٍّ–لغوي متمايز عن العربية: السريانُ والآشوريون والآراميون، أصحابُ السريانية الجديدة (Neo-Aramaic)، يَنحدرون من سكّان بلاد الرافدين العليا وشمال سوريا الأصليين، وقد حافظوا على لغتهم وكنيستهم وذاكرتهم الإثنية رغم قرون الحكم العربي–الإسلامي ثم العثماني . فحين يَتحدّث المؤرّخ السوري المعاصر عن «مسيحيي سوريا» بوصفهم كتلةً واحدة، فإنه يُلغي تمايزَين جوهريَّين: التمايز بين السريان (إثنية لغوية أصيلة) والروم (تقليد بيزنطي عربي)؛ والتمايز بين هؤلاء جميعًا وبين الأرمن الذين لجؤوا إلى شمال سوريا بعد إبادتهم في الأناضول عام 1915.

الساحل والجبال: العلويون والإسماعيليون والدروز والموارنة
امتدّ الساحل الشامي بسلسلة جبلية تَضمّ مجتمعات طائفيةً–إثنية مستقرّة منذ قرون: العلويون (النصيريون آنذاك) في جبل الأنصارية، والإسماعيليون في جبال مصياف وسلميّة، والدروز في حوران وجبل العرب، والموارنة في جبل لبنان. وتُوصف هذه المجتمعات في الأدبيات الأكاديمية بوصفها طوائف إثنية (ethno-religious communities) لا مجرّد «أقلّيات مذهبية»، لأن هويتها لم تَكن مذهبية صرفة، بل تَجمع المذهبَ بالعزلة الجغرافية والتقاليد العشائرية والوعي الذاتي بالتمايز . وستُثبت وثيقةُ 1936 الموجَّهة إلى ليون بلوم — كما سيأتي — أن العلويين أنفسَهم وصفوا مجتمعهم في تلك الحقبة بوصفها «شعبًا» يَختلف عن المسلمين السنّة «في الدين والأخلاق والتاريخ»، وهي صياغةٌ أبعد ما تَكون عن لغة الانتماء القومي العربي الجامع.
الداخل: عرب البادية والمدن السنّية الكبرى
يَبقى الداخل السوري — مدنُ دمشق وحمص وحماة وحلب وأرياف البادية — هو الفضاء الذي يُمكن وصفُه بـ«العربي السنّي» بمعنى لغوي–ديني. لكنّ حتى داخل هذا الفضاء، كان الانتماء يَتوزّع على ولاءاتٍ مدينية وعائلية وعشائرية (الأشراف، التجّار، الحرفيون، البدو) أكثر ممّا كان ينتظم على هويةٍ «عربية قومية». فالقوميةُ العربية، بوصفها مشروعًا سياسيًا، كانت في 1915 — أيْ سنةَ رسالة الشريف حسين — مشروعَ نخبةٍ صغيرة لا حركةً جماهيرية. وفي هذا الإطار تَكتسب الوثيقتان التاليتان دلالتَهما الكاملة.
ثالثًا: الشهادة الأولى — مراسلات حسين–مكماهون (1915–1916)
تَنطوي المراسلاتُ بين الشريف حسين بن علي، شريف مكّة، والسير هنري مكماهون، المندوب السامي البريطاني في القاهرة، على عشر رسائل متبادلة بين 14 تموز/يوليو 1915 و10 آذار/مارس 1916 . كانت المفاوضات تَجري في خضمّ الحرب العالمية الأولى، حيث وعد البريطانيون الشريفَ حسين بدعم قيام «دولةٍ عربية» في مقابل قيادته الثورةَ العربية ضدّ العثمانيين. وقد طالب الشريفُ حسين، باسم «الشعب العربي»، بحدودٍ واسعة تَشمل شبه الجزيرة العربية والعراق والشام كلّه.
النصّ الجوهري: استثناء غرب الشام
في الرسالة الرابعة من السلسلة، المؤرَّخة في 24 تشرين الأول/أكتوبر 1915، ردّ السير مكماهون على مطالب الشريف حسين بصياغةٍ بالغة الدقّة، تَستحقّ أن تُقتبس بنصّها الإنجليزي الأصلي قبل التحليل:
“The two districts of Mersina and Alexandretta and portions of Syria lying to the west of the districts of Damascus, Homs, Hama and Aleppo cannot be said to be purely Arab, and should be excluded from the limits demanded.”
وترجمتُه: «المنطقتان مرسين والإسكندرونة، والأجزاءُ من سوريا الواقعةُ غربَ ألوية دمشق وحمص وحماة وحلب، لا يُمكن القول إنها عربيةٌ خالصة، وينبغي استثناؤها من الحدود المطلوبة».
الدلالة المنهجية للنصّ
ما يَستحقّ الوقوف عنده هنا ليس النزاعَ السياسي حول ما إذا كانت فلسطين تَدخل في هذا الاستثناء — وهو النقاش الذي شَغل أجيالًا من المؤرّخين — بل التسليمُ الضمني المشترك بين الطرفين: الشريف حسين (أبو القومية العربية الحديثة) والحكومة البريطانية، بأن غربَ الشام — الذي يَشمل الساحلَ السوري والجبالَ الغربية وشمال حلب — ليس عربيًا خالصًا. هذا التسليم ليس انتقادًا بريطانيًا للقومية العربية، بل إقرارٌ خرج من قلب التفاوض البريطاني–العربي ذاته، عام 1915، أي قبل خمس سنوات من قيام «المملكة السورية» وقبل ربع قرن من قيام «الجمهورية العربية السورية» .
وحين نَقرأ تعبير «ليست عربية خالصة» (not purely Arab) في ضوء المشهد البشري الذي وصفناه أعلاه، يَتّضح ما كان يَعنيه مكماهون عمليًا: غربُ الشام يَحوي الكوردَ في جبل الأكراد، والعلويين في جبل الأنصارية، والإسماعيليين في مصياف، والموارنةَ في جبل لبنان، والسريانَ والآراميين في حلب وحوالَيها — أيْ كلّ التنوّع البشري الذي رفضت الديبلوماسيةُ البريطانية إدراجها في «المنطقة العربية» التي طالب بها الشريف حسين. هذا — في عام 1915 — اعترافٌ دوليٌّ مبكّر بأن «الكتلة العربية الجامعة» لم تَكن قائمةً واقعًا في غرب الشام.
رابعًا: الشهادة الثانية — مذكّرة وجهاء العلويين إلى ليون بلوم (1936)
بعد إحدى وعشرين سنة من رسالة مكماهون، وفي ظروفٍ سياسية مختلفة كلّيًا، وصلت إلى مكتب رئيس الوزراء الفرنسي ليون بلوم في باريس، يوم 15 حزيران/يونيو 1936، عريضةٌ موقَّعة باسم وجهاء علويين من اللاذقية، تَطلب من الحكومة الفرنسية ألّا تَدمج «دولة العلويين» — التي أسّسها الانتدابُ الفرنسي عام 1920 ككِيانٍ إداريٍّ مستقلّ — في «الجمهورية العربية السورية» التي كانت تَتشكّل حينها بمفاوضات الاستقلال. الوثيقةُ معروفةٌ في الأرشيف الدبلوماسي الفرنسي تحت الرقم: SDN 242QO Pétition 598 .
الوثيقة والجدل الأكاديمي حولها
الدراسةُ الأكاديمية الأكثر استقصاءً لهذه الوثيقة هي تلك التي أنجزها المؤرّخ يارون فريدمان (Yaron Friedman) عام 2023 في مجلة Middle Eastern Studies، إذ عَثر على النسخة الأصلية في الأرشيف الفرنسي وقارنها بالنسخ المتداولة في الإعلام والأدبيات العربية . وقد سَبق ذلك جدلٌ أكاديمي مهمّ: ففي 2016 طَعن المؤرّخ شتيفان وينتر (Stefan Winter) في صحّة الوثيقة، مُرجِّحًا أنها قد تَكون مزوَّرة جزئيًا أو أن سليمان الأسد — جدّ حافظ الأسد المذكورَ ضمن الموقّعين — كان في الحقيقة من تيار «الاندماجيين» لا «الانفصاليين» . غير أن فريدمان، في دراستها التي عَثرت على الوثيقة الأصلية في الأرشيف، أكّدت وجودَ الوثيقة الانفصالية، مع الإقرار بوجود عرائض موازية ذات اتجاه اندماجي — ما يَدلّ على وجود اتجاهين متنافسين داخل المجتمع العلوي في تلك اللحظة، لا اتجاهٍ واحد.
والصياغةُ الجوهرية في الوثيقة، التي تَستحقّ التأمّل المنهجي، تُعرّف المجتمعَ العلوي بهذه العبارات:
«الشعب العلوي، الذي حافظ على استقلاله سنةً تلو أخرى بغيرةٍ كبيرة وتضحياتٍ جسيمة من نفسه، يَختلف عن المسلمين السنّة في الدين والأخلاق والتاريخ»
الدلالة المنهجية للوثيقة
بصرف النظر عن النزاع التاريخي حول صحّة كلّ التوقيعات أو حول وجود اتجاه اندماجي موازٍ، فإن ما يَعنينا منهجيًا في هذه الوثيقة هو أمران اثنان:
• أن نخبةً من وجهاء العلويين — في موقعهم ذاك، في تلك الحقبة، وفي وثيقة موجَّهة إلى دولةٍ كبرى — وصفت مجتمعَها بوصفها «شعبًا» (لا «طائفة» ولا «مكوّن») يَختلف عن «المسلمين السنّة» في «الدين والأخلاق والتاريخ». هذه المفردات الثلاث — «الدين، الأخلاق، التاريخ» — تَتجاوز الفقهَ المذهبيّ نحو ما يُمكن وصفه بـالوعي الإثني للمجتمع في تلك الحقبة قبل دخولها حقبةَ الهوية القومية العربية.
• أن وجودَ تيار اندماجي موازٍ لا يَنفي وجود التيار الانفصالي، بل يُؤكّد أن «الانتماء السوري» في 1936 كان موضوعَ نزاع داخلي داخل المجتمع العلوي، لا معطًى بديهيًا. وهذا ما يُهمّنا منهجيًا أكثر من أيٍّ من الاتجاهين: فمعطًى يَكون موضوعَ نزاع داخلي بين أبناء المجتمع نفسه لا يُمكن أن يُوصف بأنه «سابقٌ طبيعي».
والمفارقةُ التاريخية البالغة — التي يَكفي ذكرُها دون التوقّف عندها — أن سليمان الأسد، المذكور بين الموقّعين على النسخة المتداولة من الوثيقة، هو جدُّ الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد، الذي بنى بعد عقودٍ نظامًا قام شعارُه على «الوحدة العربية» و«الهوية القومية العربية الجامعة». بين الجدّ والحفيد سبعون عامًا، وقفزةٌ مفهومية كاملة من «شعبٍ مستقلّ يَختلف في الدين والأخلاق والتاريخ» إلى «أمّةٍ عربية واحدة ذات رسالةٍ خالدة».
خامسًا: تقاطع الشهادتين — ما الذي تُثبتانه معًا؟
بين رسالة مكماهون (1915) ومذكّرة وجهاء العلويين (1936)، إحدى وعشرون سنة. وبين الجهتين تناقضٌ مذهبي وسياسي تامّ: الأولى صادرة عن دبلوماسي بريطاني يُفاوض زعيمًا عربيًا سنّيًا في الحجاز؛ والثانية صادرة عن وجهاء طائفة شيعية–علوية في الساحل السوري يُفاوضون حكومةً اشتراكية فرنسية. ومع ذلك، تَلتقي الوثيقتان رغم هذا التناقض الكامل على معطًى واحد:
غربُ الشام، بمكوّناته المتعدّدة، ليس كتلةً عربيةً سنّية متجانسة يُمكن إدراجها تحت هويةٍ قومية جامعة دون قسر سياسي.
الوثيقةُ الأولى تَقول ذلك من الخارج، بلغة الدبلوماسية البريطانية: «ليست عربية خالصة». والوثيقةُ الثانية تَقوله من الداخل، بلغة الوجهاء العلويين: «شعبٌ يَختلف في الدين والأخلاق والتاريخ». وحين تَجتمع الشهادتان — رغم تباعد منشأَيهما — تَنتفي إمكانيةُ ردّ الأمر إلى انحياز جهةٍ بعينها أو إلى مصلحةٍ ظرفية. فالشاهدُ المتعدّد من جهاتٍ متناقضة، على معطًى واحد، هو من أمتن أنواع الإسناد في علم التاريخ. ويَنضمّ إليهما تكوينُ الانتداب الفرنسي نفسه: فقد بنى الفرنسيون عام 1920 خمسَ دويلاتٍ منفصلة (دولة دمشق، دولة حلب، دولة العلويين، دولة جبل الدروز، دولة لبنان الكبير) ، اعترافًا منهم — مهما تكن الدوافع الاستعمارية — بأن التنوّع الإثني–البشري لا يُختزل في «دولةٍ سورية واحدة».