كرد العراق من معاهدة ارض روم الى معاهدة سيفر اهم مطالعة تاريخية وردت في تقرير انتهاء الانتداب البريطاني على العراق 1932
الدكتور مؤيد الونداوي
أ – الكرد
1-معاهدة سيفر
لاستيعاب مسألة الكورد في العراق على وجهها الصحيح وتقدير الموقف الذي كشفت عنه العرائض المقدَّمة إلى عصبة الأمم، لا بد من استحضار نقطتين بالغتَي الأهمية: الأولى أن الكرد في العراق لا يُمثّلون إلا شريحةً — وإن كانت مهمة بلا شك — من شعب موزّع بين تركيا وفارس والعراق وسوريا. والثانية أن الحكومة العراقية لم تكن قائمة إلا بعد مضي وقت من انتهاء الحرب، وفي تلك الأثناء اعتمدت الدول الحليفة رسمياً سياسة كردية ظلت قائمة نظرياً لسنوات ورسمت مجرى الأحداث اللاحقة كلها، وإن أُسقطت في نهاية المطاف.
وبحسب الأرقام الواردة في صفحات تقرير اللجنة المحايدة التي كلّفها مجلس عصبة الأمم بإبداء الرأي في مسألة الحدود بين تركيا والعراق، والتي درست المسائل الجغرافية لهذه المنطقة بأدق العناية، يبلغ مجموع الكرد نحو 3,000,000 نسمة: منهم 1,500,000 في تركيا، و700,000 في فارس، وبعضهم في سوريا، و500,000 في المنطقة التي كانت محل نزاع آنذاك والمطابقة عملياً لولاية الموصل القديمة. ويُعطي هذا رقماً للأكراد في العراق يزيد قليلاً على 500,000 نسمة، أي نحو سُدس مجموع الكرد. وكان مستقبل الكرد بمجملهم — باستثناء 700,000 في فارس وحدهم — موضع اهتمام خاص خلال مفاوضات السلام بين الدول الحليفة وتركيا التي أفضت إلى توقيع معاهدة سيفر الفاشلة في العاشر من أغسطس 1920. وقد نصّت المواد من 62 إلى 64 من هذه المعاهدة على وضع خطة للحكم الذاتي المحلي في غضون ستة أشهر من دخولها حيز التنفيذ للمنطقة ذات الأغلبية الكردية الواقعة شرق الفرات وجنوب غرب أرمينيا وشمال الحدود التركية مع سوريا والعراق. وإذا توجّه أكراد هذه المنطقة خلال عام من دخول المعاهدة حيز التنفيذ إلى مجلس عصبة الأمم بما يُثبت رغبة الأغلبية في الاستقلال عن تركيا، ورأى المجلس أنهم أهل لهذا الاستقلال، وجب منحه لهم. وفي هذه الحالة لن تعترض الدول الحليفة الكبرى على انضمام أكراد الجزء من كردستان الذي كان يندرج حتى تلك اللحظة ضمن ولاية الموصل إلى هذه الدولة الكردية المستقلة طوعاً.
هكذا طرحت الدول الحليفة رسمياً فكرة دولة كردية مستقلة تشمل من بين مناطق أخرى المناطق الكردية في العراق، وقَبلتها الحكومة التركية وإن تبرّأت منها لاحقاً. (والجدير بالذكر أنه رغم وصف مملكة الحجاز في ديباجة هذه المعاهدة بأنها دولة حليفة، فإن المعاهدة لم تُوقَّع نيابةً عنها.) وحين قَبِل جلالته الانتداب على العراق في مايو 1920 كانت معاهدة سيفر قد سُلِّمت للتوّ إلى وزارة الخارجية التركية، فوُقِّعت في أغسطس 1920، ومضى وقت غير قصير قبل أن تُثار أي تساؤلات حول جدوى السياسة الكردية التي تضمّنتها. ولم يُتخلَّى عن هذه السياسة نهائياً إلا بتوقيع معاهدة لوزان بعد ثلاث سنوات في الرابع والعشرين من يوليو 1923. والنتيجة أن سياسة حكومة جلالته أولاً ثم الحكومة العراقية — التي وُجدت لأول مرة بصورة مؤقتة في العاشر من نوفمبر 1920 — كان لا بد أن تُصاغ طوال تلك السنوات الثلاث مع مراعاة احتمال تطبيق المواد من 62 إلى 64 من معاهدة سيفر.
2-ـ إنشاء الحكومة العراقية
عندما شُكلت الحكومة المؤقتة في تشرين الثاني/نوفمبر 1920، أوضح المندوب السامي لها الوضع المتعلق بالمناطق الكردية، إذ احتفظ بالسيطرة على الألوية الكردية، غير أنه سرعان ما اتضح وجود صعوبات جدية في وضع سياسة تقوم على الفصل المؤقت.
ففي المقام الأول تبين أن المناطق الكردية في العراق كانت منفصلة تقريباً من الناحية الجغرافية والاقتصادية والسياسية عن المناطق الكردية في تركيا. وإن العوامل نفسها التي دفعت لجنة الحدود التابعة لعصبة الأمم لاحقاً إلى التوصية بضم هذه المناطق إلى العراق، جعلت أي مشروع لضمها مستقبلاً إلى الدولة الكردية المقترحة يبدو بعيداً عن الواقع.
كما لم يكن هناك تعبير عام عن رغبة في هذا الحل. صحيح أنه كان يوجد في لواء السليمانية في الجنوب الشرقي شعور قومي كردي واضح، لكنه كان معدوماً في المناطق الكردية الأخرى. وتبين عملياً أيضاً أن المناطق الكردية لم تكن مستعدة لأن تُعامل كوحدة إدارية واحدة. فقد اعترض لواء أربيل بشدة على قرار مجلس الدولة بضم اللواء إلى كركوك كما كان الحال في العهد العثماني، في حين أن كركوك، ذات السكان المختلطين من التركمان والعرب والأكراد، لم تكن تقبل بضمها إلى السليمانية. وفضلاً عن ذلك، حتى لو أمكن تحقيق اتحاد بين مختلف المناطق الكردية، فقد كان من الواضح أن فصلها عن العراق يعني قطع منتجات كردستان عن أسواقها، الأمر الذي كانت ستكون له نتائج اقتصادية خطيرة على الأكراد أنفسهم.
وفي 6 أيار/مايو 1921 أصدر المندوب السامي التصريح الآتي بهدف التعرف على رغبات كرد العراق، وفي الوقت نفسه مراعاة المبدأ الوارد في المادة 64 من معاهدة سيفر قدر الإمكان:
“إن المندوب السامي يدرس بصورة فعالة الترتيبات الإدارية التي ستُتخذ لمستقبل المناطق الكردية في العراق. وقد عُرض عليه أن هناك مخاوف من أن تتضرر مصالح الأكراد بسبب خضوعهم للحكومة الوطنية القائمة في بغداد، وأن هذا هو السبب في وجود بعض المطالب بنظام حكم ذاتي.”
” وفي الوقت نفسه يُفهم أن قادة الرأي الكردي يدركون تمام الإدراك الروابط الاقتصادية والصناعية التي تربط مناطقهم بالعراق، وما قد يسببه الانفصال من متاعب. وفي هذه الظروف يرغب صاحب الفخامة، إن أمكن، في الحصول على بيان حقيقي لرغبات الجماعات الكردية.”
” فإذا فضلت هذه الجماعات البقاء تحت الحكم العراقي، فإنه مستعد لأن يوصي مجلس الدولة بحل يقوم على الأسس الآتية:
أولاً: فيما يتعلق بالمناطق الكردية التابعة لولاية الموصل الواقعة ضمن نطاق الانتداب البريطاني، يُنشأ لواء فرعي يضم أقضية زاخو وعقرة ودهوك والعمادية، ويكون مركزه في دهوك، على أن يكون تحت إدارة معاون متصرف بريطاني.
ويكون القائمقامون في الوقت الحاضر بريطانيين، على أن يُستبدلوا لاحقاً بكرد أو عرب ناطقين بالكردية ومقبولين لدى الأكراد، متى ما توفر الأشخاص الأكفاء.
ويخضع هذا اللواء الفرعي بصورة عامة للحكومة الوطنية في بغداد في الشؤون المالية والقضائية، ويرسل بطبيعة الحال ممثلين إلى الجمعية التأسيسية؛ أما في الأمور الإدارية فإن القائمقامين يراجعون معاون المتصرف، وتُجرى التعيينات الإدارية من قبل المندوب السامي بالتشاور مع السلطات المحلية.
ثانياً: يسعى المندوب السامي إلى إشراك موظفين بريطانيين في إدارة أربيل مع كويسنجق وراوندوز، ويضمن أن تُراعى رغبات السكان عند تعيين الموظفين الحكوميين. أما التفاصيل فتُستكمل عندما تسمح الظروف بذلك.
ثالثاً: تُعامل السليمانية كمتصرفية تُدار من قبل متصرف مع مجلس، على أن يُعين المتصرف من قبل المندوب السامي، ويُرفق به مستشار بريطاني. وإلى حين تعيين المتصرف، يقوم الضابط السياسي البريطاني بهذه المهمة.
ويُفوَّض المتصرف مع مجلسه بصلاحيات معينة، بما فيها حق الاستئناف إلى المندوب السامي، بحسب ما يقرره المندوب السامي بعد التشاور مع المتصرف ومجلسه من جهة، ومجلس الدولة من جهة أخرى. أما القائمقامون في الوقت الحاضر فيكونون بريطانيين، ويُستبدلون بأكراد حالما يتوفر الأشخاص الأكفاء.”
وقد وافق أكراد لوائي الموصل وأربيل على هذه المقترحات، وبذلك قبلوا فعلياً الجنسية العراقية، بينما رفضها كرد لواء السليمانية الذين امتنعوا عن التفكير في الانضمام إلى الحكومة العراقية بأي شرط كان. ولذلك بقي لواء السليمانية تحت الإدارة البريطانية المباشرة، حيث كان يُدار من قبل ضابط سياسي بريطاني مسؤول أمام المندوب السامي ويساعده مجلس محلي منتخب.
أما في لواء كركوك فقد كان متصرف يمارس مهامه منذ شباط/فبراير. وقد أُنشئ اللواء الفرعي المقترح في أربيل، بينما لم يُنشأ اللواء الفرعي الخاص بالموصل لأنه تبين لاحقاً عدم الحاجة إليه. وكان هذا هو الوضع في تموز/يوليو 1921 عندما جرى الاستفتاء حول انتخاب سمو الأمير فيصل ملكاً على العراق.
ولم يكن من المستغرب، في ظل بقاء احتمال قيام دولة كردية مستقلة قائماً، أن تتردد بعض العناصر الكردية في التصويت لملك عربي. فقد قرر لواء السليمانية الامتناع عن التصويت، بينما طالبت جماعة كردية في لواء كركوك بحكومة كردية، لكنها رفضت أن تُضم إلى السليمانية.
ومن جهة أخرى، فإن لوائي الموصل وأربيل (باستثناء قضاء راوندوز الذي كانت توجد فيه قوة صغيرة من المتطوعين الأتراك) أظهرا مجدداً قبولهما الاتحاد مع العراق من خلال التصويت لانتخاب الملك فيصل، لكنهما أبديا بعض التحفظات التي تنص على منح قدر من اللامركزية من قبل الحكومة العراقية، كما أنهما لم يعتبرا أنفسهما ملزمين نهائياً بهذا القرار إذا تحققت الظروف المشار إليها في المادة 64 من معاهدة سيفر.
وخلال السنة التالية، أي سنة 1922، وقعت اضطرابات خطيرة في لوائي السليمانية وأربيل، لكن لا يمكن عزوها بصورة صحيحة إلى وجود مطلب كردي منظم للاستقلال.
فقد كان رجال القبائل الجبلية في كردستان شعباً فخوراً غير منضبط، اعتاد حياة الغزو والعداء للسلطة القائمة. وقد استغل عملاء خارجيون هذا الوضع بمهارة، مستفيدين من قوة غير نظامية موجودة في راوندوز، ومن إمدادات الذخيرة، ومن دعاية مكثفة، في محاولة لفصل المناطق الكردية عن العراق. وقد نجحت هذه الجهود إلى حد جعل قرار إخلاء السليمانية عسكرياً يُتخذ ويُنفذ في 4 أيلول/سبتمبر، وأسند المندوب السامي إدارة لواء السليمانية مؤقتاً إلى مجلس محلي منتخب.
3ـ الشيخ محمود
كان الشعور القومي الكردي آنذاك ـ بقدر ما كان موجوداً ـ يتمحور حول شخصية الشيخ محمود، زعيم أسرة البرزنجة أو الشيوخ، التي كانت تتمتع سابقاً بنفوذ روحي وزمني كبير في السليمانية. وكان الشيخ محمود قد ثار على الحكومة سنة 1919، فقامت السلطات البريطانية بنفيه مع أخيه الشيخ قادر. ثم ارتفعت لاحقاً دعوات ـ مصدرها أسرته نفسها ـ للمطالبة بعودته. وقد سُمح للشيخ قادر بالعودة من المنفى في آب/أغسطس، وعندما أُخليت السليمانية في أيلول/سبتمبر اختاره المجلس المحلي المنتخب رئيساً له.
وبعد شهر، ومع استمرار المجلس في المطالبة بعودة الشيخ محمود لتولي الإدارة، عيّنه المندوب السامي حاكماً على السليمانية، وقدم له ضمانات بأنه سيتلقى كل مساعدة ممكنة من الحكومتين البريطانية والعراقية.
غير أن الشيخ محمود، الذي كان قد أعلن استعداده الكامل للالتزام بسياسة حكومة جلالة الملك، بدأ بعد ذلك بوقت قصير بالتآمر مع القبائل الواقعة خارج لواء السليمانية، وبالمطالبة المتزايدة من السلطات البريطانية. وفي تشرين الثاني/نوفمبر أعلن نفسه “ملك كردستان”، قاصداً بذلك جميع المناطق الكردية في العراق، على الرغم من أن أربيل وكركوك والأقضية الكردية التابعة للموصل لم تكن قد أبدت أي رغبة في حكمه أو اعترفت به. وقد دفعته طموحاته الواسعة إلى تنفير العناصر الأكثر اعتدالاً حتى داخل مدينة السليمانية نفسها.ووُصف نظام حكمه في الصفحة 37 من تقرير إدارة العراق للفترة نيسان/أبريل 1922 ـ آذار/مارس 1923 بما يلي:
“رغم الواجهة المزخرفة من الوزراء والمجلس الاستشاري المزدحم بشيوخ القبائل من جانبي الحدود، لم يتحقق أي نظام إداري، ولم تُجمع الضرائب، ولم تُصدر أوامر تنفيذية. وربما لم يكن من غير الدال أن وزارة العدل بقيت شاغرة.”
4 ـ معاهدة لوزان
أثناء المفاوضات الخاصة بمعاهدة لوزان سنة 1922، أصبح واضحاً أنه لا يوجد أي احتمال لقيام دولة كردية يمكن أن تُضم إليها المناطق الكردية في العراق. ولذلك أصبح من الحتمي إدخال المناطق الكردية العراقية ضمن حدود المملكة العراقية. وكانت أي محاولة جادة لإنشاء مملكة مستقلة في هذه المناطق أمراً مستحيلاً لأسباب عديدة. فهي لم تكن مشروعاً اقتصادياً قابلاً للحياة، كما أن الدول المجاورة ـ التي كانت تواجه بدورها مشكلات مع رعاياها الأكراد ـ كانت ستنظر إليها بعين الريبة الشديدة. إضافة إلى ذلك، فإن قيام مثل هذه الدولة كان يفترض وجود درجة من التماسك والتعاون بين الأكراد العراقيين أنفسهم، وهي درجة لم تكن موجودة كما سبق بيانه.
وفي هذه الظروف بذلت الحكومتان البريطانية والعراقية جهداً جديداً لمعرفة رغبات الأكراد العراقيين، وأصدرتا بياناً مشتركاً كان الهدف منه في آن واحد كبح طموحات الشيخ محمود المفرطة وطمأنة العناصر الكردية المعتدلة بأن مصالحها المشروعة لن تُهمَل.
وقد صدر البيان في كانون الأول/ديسمبر بالنص الآتي:
“تعترف حكومة جلالة الملك البريطانية وحكومة العراق بحقوق الأكراد القاطنين ضمن حدود العراق في إقامة حكومة كردية داخل هذه الحدود، وتأمل أن تتوصل العناصر الكردية المختلفة، في أقرب وقت ممكن، إلى اتفاق فيما بينها بشأن الشكل الذي ترغب أن تتخذه تلك الحكومة، والحدود التي ترغب أن تمتد ضمنها، وأن ترسل مندوبين مسؤولين إلى بغداد لمناقشة علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع حكومة جلالة الملك البريطانية وحكومة العراق.”
لكن هذا العرض لم يُفضِ إلى شيء.
أما بالنسبة إلى الشيخ محمود، فقد ازدادت اتصالاته بالعناصر القبلية المضطربة، ووُضعت بالتعاون معها خطط للهجوم على كركوك بهدف ضمها إلى ما كان يسمى “المملكة الكردية” التابعة له. وقد أصبحت هذه النشاطات تشكل تهديداً مباشراً لأمن الدولة العراقية، ولذلك اتخذت السلطات البريطانية إجراءات حازمة، فطُردت القوات غير النظامية من رواندوز، وأُقيمت إدارة مستقرة في تلك المنطقة. كما أُعيد احتلال السليمانية مؤقتاً، وفرّ الشيخ محمود إلى الجبال.
ومع توقيع البروتوكول المؤرخ في 30 نيسان/أبريل 1923، الذي حُددت بموجبه مدة المعاهدة العراقية ـ البريطانية بأربع سنوات تبدأ من عقد الصلح مع تركيا، تغيّر الوضع العام.
فقد استلزم هذا التطور التخلي عن السياسة السابقة التي كانت تقضي بأن تبقى إدارة لواء السليمانية تحت المسؤولية المباشرة للمندوب السامي. ولذلك أصبح واضحاً أن البديل الوحيد لحكم الشيخ محمود الاستبدادي هو إقامة إدارة تحترم المشاعر القومية الكردية، وفي الوقت نفسه تربط اللواء بصورة نهائية بالدولة العراقية.
وكان الزعماء الأكراد المعتدلون مستعدين للتعاون مع مثل هذه الإدارة، لكنهم طلبوا بقاء القوات البريطانية لمنع الشيخ محمود ـ الذي ظل نفوذه الديني على القبائل الكردية المحلية كبيراً ـ من العودة والاستيلاء على الحكم. غير أن ذلك لم يكن ممكناً عملياً آنذاك لأسباب مختلفة، ولذلك تُركت السليمانية لتحاول مرة أخرى معالجة أوضاعها بنفسها.
إلا أن كثيراً من سكان المدينة غادروها جماعات مع القوات المنسحبة، فتركوها عرضة لأتباع الشيخ محمود. ودخل الشيخ محمود نفسه السليمانية ثانية في 11 تموز/يوليو 1923. وفي هذه الأثناء وُضعت ترتيبات لضم بعض الأقضية الخارجية التابعة للواء السليمانية إلى لواء كركوك المجاور، وأُبلغ الشيخ محمود بأنه إذا حاول التدخل في تلك المناطق فسيُتخذ إجراء ضده. واستمر هذا الوضع قرابة سنة كاملة.
5 ـ الأكراد والجمعية التأسيسية
وفي هذه الأثناء كانت الاستعدادات قد أُنجزت لانتخاب الجمعية التأسيسية العراقية. وقد ظهر شيء من التردد في التسجيل بين الناخبين الأوّليين في لوائي كركوك وأربيل. ولذلك رأى المندوب السامي والحكومة العراقية ضرورة تقديم ضمانة إضافية للأكراد بشأن نوايا الحكومة العراقية تجاههم، لتسهيل تعاونهم في الانتخابات. ولهذا السبب أصدر مجلس الوزراء في 11 تموز/يوليو 1923 ـ وهو اليوم نفسه الذي عاد فيه الشيخ محمود إلى السليمانية ـ القرار الآتي:
1. إن الحكومة العراقية لا تنوي تعيين موظفين عرب في المناطق الكردية باستثناء الموظفين الفنيين.
2. كما أنها لا تنوي إلزام سكان المناطق الكردية باستعمال اللغة العربية في مراسلاتهم الرسمية.
3. وأن حقوق السكان والطوائف الدينية والمدنية في تلك المناطق ستُصان بصورة كاملة.
وفي الوقت نفسه طمأن رئيس الوزراء السكان التركمان في مدينة كركوك بأن الحكومة توافق على أن تُشغل الوظائف المحلية من قبل أبناء المنطقة، وأن تُعتبر اللغة المحلية (التركية) لغة رسمية. وفي الانتخابات التي أُجريت في أوائل السنة التالية (1924)، شاركت جميع المناطق الكردية التي كانت تُدار من قبل الحكومة العراقية. ومن الجدير بالذكر أن كثيراً من سكان منطقة السليمانية، الواقعة تحت إدارة الشيخ محمود، أبدوا رغبتهم في المشاركة أيضاً. ولذلك اتُّخذت ترتيبات تسمح لهم بالتصويت في مراكز المناطق المجاورة. ونتيجة لذلك تم انتخاب خمسة أعضاء يمثلون منطقة السليمانية، كان من بينهم الشيخ قادر، شقيق الشيخ محمود، الذي كان قد اختلف معه.
4- إعادة احتلال السليمانية
إن فشل الشيخ محمود السابق في إقامة حكومة محلية فعالة في السليمانية لم يُعلّمه شيئاً. فمدينة السليمانية، التي أخذ يهجرها تدريجياً جميع سكانها الأثرياء، تُركت ترزح تحت حكمه الاستبدادي الجشع، حتى إن المدينة نفسها ـ رغم احتضانها للمرقد المقدس لسلفه ـ لم تعد قادرة على احتمال حفيده. كما أثبت الشيخ محمود عجزه عن حصر نشاطه السياسي ضمن الحدود المرسومة له. فعلى الرغم من تعرض تجاوزاته للقصف الجوي، استمر في مهاجمة المناطق المجاورة ومحاولة تحريض القبائل الواقعة على الحدود الفارسية للهجوم على كركوك. وفي النهاية قرر المندوب السامي في أيار/مايو 1924 اتخاذ إجراء حاسم. فأُرسل إنذار نهائي إلى الشيخ محمود يطالبه بالخضوع، لكنه تجاهله. وعليه، وبعد توجيه إنذار مسبق، دُمِّرت مقراته في السليمانية بالقوة الجوية. فهرب الشيخ محمود وأتباعه إلى الجبال، وخلال الشهرين التاليين فرضوا على المنطقة حالة من السلب والرعب. وفي تموز/يوليو احتلت قوة من الفرسان العراقيين وقوات الليفي السليمانية من دون مقاومة. وأُنشئت إدارة مؤقتة تحت إشراف الحكومة العراقية، لكن اتُّفق على أن يبقى اللواء تحت السيطرة المباشرة للمندوب السامي إلى أن يعود الأمن والاستقرار. وقد خصص مجلس الوزراء العراقي مبلغ “لك” من الروبيات لتغطية الاحتياجات العاجلة، وسرعان ما استعادت المدينة نشاطها؛ إذ ارتفع عدد سكانها من 700 نسمة إلى 12 ألفاً خلال شهرين، ثم إلى 20 ألفاً خلال أربعة أشهر. أما الشيخ محمود فقد ظل، مع مجموعة متناقصة من أتباعه، يجوب جبال الحدود الفارسية، فارضاً الإتاوات على القرى العزلاء ومتجنباً الحملات المرسلة ضده.وتدريجياً، ومن خلال إنشاء مراكز محصنة في المواقع الاستراتيجية تشغلها الشرطة، توسعت سيطرة الحكومة على مناطق الحدود، لكن الشيخ محمود لم يتوصل إلى تسوية مع الحكومة العراقية إلا في حزيران/يونيو 1927، كما سيرد لاحقاً.
وقد لخّص تقرير حكومة جلالة الملك البريطانية لسنتي 1923 ـ 1924 الوضع في نهاية سنة 1924 بما يلي:
“من دواعي الارتياح تسجيل تقدم عام في حل العلاقات بين الحكومة العراقية والعناصر الكردية في الدولة، وقد تُوج ذلك بالمشاركة الكاملة للمناطق الكردية في الانتخابات.
“فمنذ البداية انخرط الأكراد بسهولة في الجيش العراقي، الذي يتولى الضباط الأكراد بالفعل نسبة كبيرة من قيادته؛ كما أن الأكراد مؤهلون لتولي جميع الوظائف في الخدمة المدنية، لا من الناحية النظرية فحسب، بل عملياً أيضاً.
ولا يوجد سبب يدعو إلى توقع حدوث نزاعات عرقية مستقبلاً، بل توجد كل أسباب الأمل في أن يستمر التطور نحو مزيد من الاندماج.
“غير أن القوميين العرب ينبغي أن يضعوا في اعتبارهم أن الهدف المنشود سيتحقق بصورة أسرع وأكثر ثباتاً إذا عوملت التطلعات القومية لإخوانهم الأكراد بالقدر نفسه من الاعتبار الذي يطالبون هم أنفسهم به لتطلعاتهم.”
7-لجنة الحدود التابعة لعصبة الأمم
كان هذا هو الوضع عندما زارت لجنة الحدود التابعة لعصبة الأمم المناطق الكردية في شباط/فبراير 1925.
فقد أُعيد تنظيم مدينة السليمانية ومعظم أنحاء اللواء، وأُدخلت ضمن إدارة الحكومة العراقية، مع أن المندوب السامي ظل عملياً يمارس إشرافاً وثيقاً على شؤون اللواء. أما إحدى المناطق الحدودية فقد بقيت خارج السيطرة بسبب نشاطات الشيخ محمود. وكانت كركوك وأربيل والموصل تُدار من قبل متصرفين مسؤولين مباشرة أمام الحكومة العراقية، ويساعدهم مفتشون إداريون بريطانيون. أما استنتاجات تقرير لجنة الحدود وقرار مجلس العصبة بشأنه فهي معروفة إلى درجة لا تستدعي التفصيل هنا، ويكفي التذكير بأن اللجنة أوصت في نتائجها النهائية بما يلي:
“ينبغي مراعاة الرغبات التي عبّر عنها الأكراد في أن يُعيَّن موظفون من أصل كردي لإدارة بلادهم، ولإقامة العدل، وللتدريس في المدارس، وأن تكون اللغة الكردية اللغة الرسمية في جميع هذه الخدمات.”
كما أن مجلس عصبة الأمم، في قراره المتعلق بالحدود الشمالية للعراق، أشار إلى القضية الكردية بالنص الآتي:
“تُدعى الحكومة البريطانية، بوصفها الدولة المنتدبة، إلى أن تعرض على المجلس الإجراءات الإدارية التي ستُتخذ من أجل ضمان الحقوق المتعلقة بالإدارة المحلية للسكان الأكراد المذكورين في تقرير لجنة التحقيق، وفقاً للتوصيات الواردة في نتائجها النهائية.”
وفي آذار/مارس 1926 قدمت الحكومة البريطانية إلى المجلس مذكرة وملاحق تتضمن الإجراءات التي اعتمدتها الحكومة العراقية لإدارة المناطق الكردية، وأُحيلت هذه الوثائق إلى لجنة الانتدابات الدائمة، التي سجلت في دورتها العاشرة أن:
“الحكومة العراقية، بالاتفاق مع الحكومة البريطانية، قد نفذت السياسة التي أوصت بها لجنة الموصل.”
ولمنع أي سوء فهم داخل العراق بشأن نوايا الحكومة العراقية تجاه رعاياها الأكراد، ألقى رئيس الوزراء خطاباً في مجلس النواب في 21 كانون الثاني/يناير 1926 أعلن فيه بصورة قاطعة:
“إن هذا البلد لا يستطيع أن يعيش ما لم تتمتع جميع عناصر الدولة العراقية بحقوقها. وسوف نعطي الأكراد حقوقهم. وسيكون موظفوهم من بينهم، وستكون لغتهم الرسمية لغتهم الخاصة، وبها سيتعلم أطفالهم في المدارس.”
وفي الوقت نفسه وجّه رئيس الوزراء التعليمات الآتية إلى وزراء حكومته:
“لا شك أن معاليكم قد اطلعتم على الخطاب الذي ألقاه رئيس الوزراء في مجلس النواب والمنشور في الصحف في اليوم التالي. وهذا الخطاب يجسد السياسة التي اتبعتها الحكومة وستستمر في اتباعها في إدارة المناطق الكردية، وهي أن يكون الموظفون من الأكراد وأن تكون اللغة الرسمية هي اللغة الكردية.
“ولذلك فقد وجّهني دولته إلى أن أطلب منكم السعي إلى تنفيذ هذه السياسة والالتزام بها في كل ما يتعلق بإدارة المناطق المذكورة.”
8 ـ التسوية مع الشيخ محمود
خلال سنة 1926 بقي الوضع في لواء أربيل مستقراً، بينما تعززت في السليمانية إدارة الحكومة العراقية التي كانت قد أُعيد تأسيسها في صيف سنة 1924. وباستثناء منطقة صغيرة حول بنجوين وإلى الشمال على الحدود الفارسية، كانت أجهزة الإدارة العادية تعمل بصورة منتظمة، وأصبح الشيخ محمود ـ بعد أن هجره معظم أتباعه السابقين ـ مطارَداً على الحدود الفارسية.وفي تشرين الأول/أكتوبر 1926 جرى لقاء بينه وبين المستشار البريطاني لوزارة الداخلية، شرح له خلاله المستشار الشروط التي كانت الحكومة العراقية مستعدة لمنحها له. ولم يقبل الشيخ محمود تلك الشروط فوراً، بل استمر في التفاوض بواسطة وكيل أرسله إلى بغداد. وفي نيسان/أبريل 1927 أُعيد احتلال منطقة بنجوين، وفي حزيران/يونيو وافق الشيخ محمود على الشروط التي سبق عرضها عليه، وكانت تتضمن:
أن يقيم هو وأسرته خارج العراق،
وأن يمتنع عن أي تدخل سياسي في لواء السليمانية أو في أي مكان آخر داخل العراق،
وأن يرسل أحد أبنائه إلى بغداد لتلقي التعليم.
وفي مقابل التزامه الصارم بهذه الشروط تعهدت الحكومة العراقية بإعادة أملاكه إليه، والسماح له بتعيين وكيل لإدارتها. وفي تموز/يوليو 1927 زار الشيخ محمود المندوب السامي في بغداد، ثم عاد للإقامة في إيران بمنطقة مريوان. أما أتباعه فقد تفرقوا، وقبل بعض أكثر مؤيديه قرباً وثقة العمل في خدمة الحكومة العراقية، وأثبتوا أنهم موظفون أكفاء.
لقد كانت مغامرات الشيخ محمود العسكرية المتكررة وتمسكه المستمر بأحلام السلطة الواسعة، منذ بداية الارتباط البريطاني بشؤون أكراد العراق، أكبر عقبة أمام الإدارة المنظمة للواء السليمانية. وما إن أُقنع بالبقاء بعيداً عن النشاط السياسي حتى ظهر تحسن واضح في الأوضاع العامة؛ فعادت الثقة، وأصبحت الطرق ومسالك القوافل آمنة، وانتعشت الزراعة والتجارة واتسعتا.
9ـ سنتا 1928 و1929
شاركت جميع المناطق الكردية في الانتخابات العامة التي جرت في أيار/مايو 1928، وأسفرت عن انتخاب 16 نائباً كردياً من أصل 88 نائباً. ولم تقع اضطرابات خلال الانتخابات، كما لم يكن هناك نقص في عدد الأكراد الراغبين في الترشح. وخلال السنتين 1928 ـ 1929 لم تقع أحداث مهمة لها علاقة مباشرة بالقضية الكردية، لكن من المناسب هنا توضيح إلى أي مدى خلال هذه الفترة الهادئة:
1. كانت الحكومة العراقية تنفذ فعلاً السياسة التي تعهدت بها.
2. وكان الأكراد راضين عن المعاملة الخاصة التي كانوا يتمتعون بها.
وبصورة عامة لم يكن بالإمكان توجيه انتقادات كبيرة إلى موقف الحكومة العراقية. فلا شك أن أفضل الشخصيات في الحياة العامة كانت مقتنعة بإخلاص بالحكمة الأساسية للسياسة التي فرضتها عصبة الأمم. ومع ذلك فقد كانوا يخشون ـ وما زالوا يخشون ـ الخطر الذي يهدد وحدة الدولة نتيجة الأحلام والمشروعات الانفصالية لدى الأقلية القومية المتطرفة بين الأكراد.
وفي المقابل كان لهؤلاء نظراؤهم بين دعاة الوحدة العربية من المثقفين العرب، الذين كانت أفكارهم تتجه أكثر نحو الوحدة السياسية للعرب منها نحو وحدة شعوب العراق، والذين أدى تجاهلهم لمشاعر الأكراد إلى زيادة سوء التفاهم بين الطرفين.
وصحيح أن بعض الحالات ظهرت فيها دوائر حكومية لم تلتزم تماماً بالتعليمات الخاصة بتعيين الأكراد في المناطق الكردية متى ما توفر الأشخاص المناسبون، كما كانت هناك شكاوى رسمية وغير رسمية حول مسائل صغيرة في ميدان التعليم، مثل:
نقص الكتب المدرسية الكردية،
وعدم ملاءمة بعض المعلمين،
ومقدار التعليم باللغة العربية،
وما شابه ذلك.
وقد حظيت هذه المسائل بالاهتمام، وغالباً ما كان المندوب السامي نفسه يتدخل فيها، واتُّخذت بالتعاون مع الحكومة العراقية خطوات لمعالجتها. أما مدى رضا الأكراد عن السياسة المتفق عليها بين حكومة جلالة الملك والحكومة العراقية فكان من الأصعب تقديره. فقد ظل بعضهم متمسكاً بأمل الحرية الكاملة، وكانوا كثيراً ما يتساءلون لماذا لم يفعل البريطانيون معهم ما فعلوه مع العرب، ولماذا لم يساعدوهم على تعلم إدارة أنفسهم. وربما شعر معظمهم بأن الحظ السيئ هو الذي منح العرب مملكة، بينما ترك الأكراد مشتتين وغير متحدين تحت حكم ثلاث دول أجنبية مختلفة. ومع ذلك يُعتقد أن أغلب الأكراد الأكثر اعتدالاً كانوا يعترفون بأنه، في ظل الظروف القائمة ـ مهما تكن آمالهم المستقبلية ـ فإن أفضل طريق هو التعاون مع العرب وسائر جماعات البلاد لإنجاح الدولة العراقية. لكن حتى هؤلاء كانوا شديدي الحرص على امتيازاتهم الخاصة، وكانوا يستاؤون كثيراً من أي أمر يوحي بأن هذه الامتيازات لا تُصان بالكامل. وفي أحيان كثيرة كانوا يفسرون بعض الحوادث الصغيرة ذات الأسباب العرضية على أنها محاولات متعمدة للمساس بمكانتهم الخاصة.
وفي شباط/فبراير 1929 رفع ستة من النواب الأكراد في مجلس النواب عريضة إلى رئيس الوزراء يشكون فيها من أن الحكومة العراقية لا تنفذ بصورة صحيحة توصيات عصبة الأمم الخاصة بإدارة المناطق الكردية، وطالبوا بـ:
10ـ أثر المعاهدة العراقية ـ البريطانية لسنة 1930
كانت المفاوضات الخاصة بعقد معاهدة جديدة مع حكومة جلالة الملك على وشك البدء، وقد أدرك الأكراد عندئذ أن الإشراف البريطاني الانتدابي في العراق لن يستمر طويلاً. فظهرت مخاوفهم فوراً، وأُعرب عن القلق من أن الأكراد لن يعودوا يتمتعون بالامتيازات التي أوصت بها عصبة الأمم بعد زوال النفوذ البريطاني. وفي شباط/فبراير 1930 سأل أحد النواب الأكراد عمّا إذا كانت حقوق المناطق الكردية المشار إليها في تقرير لجنة الحدود التابعة لعصبة الأمم ستُصان في المعاهدة الجديدة المزمع عقدها مع الحكومة البريطانية.وكان هذا السؤال هو الشاغل الأكبر لمعظم الأكراد؛ إذ كانوا يريدون ضمانات للمستقبل. غير أن الطبيعة الأساسية للمعاهدة الجديدة ـ بوصفها تحالفاً بين دولتين مستقلتين ـ جعلت من المستحيل إدراج مثل هذه الضمانات فيها، وهي الضمانات التي ربما كانت ستخفف من مخاوف الأكراد. وفي الوقت نفسه أُدرك أن الأكراد عندما سيجدون أن المعاهدة لا تتضمن أحكاماً خاصة تضمن استمرار امتيازاتهم، فإن مخاوفهم من المستقبل ستزداد. ولذلك بدا أن أفضل وسيلة لتعزيز ثقة الأكراد هي أن تبادر الحكومة العراقية نفسها إلى اتخاذ التدابير الإدارية والتشريعية الممكنة لترسيخ النظام الخاص القائم للأكراد على أساس دائم.
وقد دُرست المشكلة بعناية من قبل المندوب السامي بالتشاور مع جلالة الملك فيصل، ورئيس الوزراء، والمستشارين البريطانيين المختصين، ووُضع برنامج من الإجراءات الإصلاحية يهدف إلى معالجة الشكاوى الكردية القائمة ومنحهم الثقة بمستقبلهم داخل الدولة العراقية. واعتُبر أهم هذه الإجراءات إصدار قانون يكفل استعمال اللغة الكردية، ولذلك جُعل هذا القانون محور البرنامج المقترح.
وكان إعداد هذا القانون أمراً صعباً، إذ كان من الضروري التوفيق بين مصالح متعددة، إلا أنه كان يُعتقد أن الصيغة التي وافق عليها مجلس الوزراء العراقي في آب/أغسطس 1930 ستحقق الغرض المطلوب. وقد عُرض القانون على البرلمان في كانون الأول/ديسمبر 1930، لكنه لم يكن قد أُقر حتى نهاية السنة.
وشملت العناصر الأخرى في البرنامج ما يأتي:
-إنشاء مكتب للترجمة في وزارة الداخلية ببغداد لترجمة القوانين والأنظمة والتعاميم الإدارية إلى اللغة الكردية.
-جمع المدارس الكردية في ألوية أربيل وكركوك والسليمانية تحت إشراف مفتش كردي مناسب لأغراض التعليم.
-تعيين معاون مدير عام كردي للإدارة في وزارة الداخلية.
وكان قد تم تنفيذ جميع هذه الإجراءات بحلول نهاية سنة 1930. وفي هذه الأثناء أثار نشر نص المعاهدة العراقية ـ البريطانية الموقعة في بغداد في حزيران/يونيو 1930 اضطراباً شديداً بين الأكراد، كما كان متوقعاً. فقد قُدمت عرائض وبرقيات كثيرة، بعضها موجَّه إلى عصبة الأمم، احتجاجاً على خلو المعاهدة من أي إشارة إلى استمرار الامتيازات الكردية. وكانت معظم هذه العرائض تهتم بالمطالبة بما اعتبره أصحابها حقوقاً وامتيازات منحتها عصبة الأمم للأكراد في كانون الأول/ديسمبر 1925 أكثر من اهتمامها بشكاوى دقيقة من سوء الإدارة من جانب الحكومة العراقية. وقد دلّ ذلك على أنه، رغم التوضيحات المتكررة التي قُدمت سابقاً للقيادات الكردية، ظل هناك سوء فهم عميق لطبيعة التوصيات التي أصدرتها عصبة الأمم.
وفي الوقت نفسه الذي ازداد فيه القلق بين الأكراد، ظهرت في الأوساط السياسية العربية ـ وحتى لدى بعض كبار المسؤولين ـ شكوك بأن الحكومة البريطانية ترغب في عرقلة دخول العراق إلى عصبة الأمم عن طريق تحريض الأكراد ضد الحكومة العراقية. ولتهدئة مخاوف العرب وتبديد قلق الأكراد، تقرر أن يقوم القائم بأعمال المندوب السامي والقائم بأعمال رئيس الوزراء ـ في غياب المندوب السامي ورئيس الوزراء اللذين كانا في أوروبا ـ بزيارة ألوية أربيل وكركوك والسليمانية، وإصدار بيان مشترك حول السياسة الكردية. وقد أُرفقت نصوص الخطب التي أُلقيت خلال تلك الزيارات، ورسالة القائم بأعمال رئيس الوزراء إلى المندوب السامي المؤرخة في 19 آب/أغسطس، والتي عرضت سياسة الحكومة العراقية بصورة كاملة، بهذا التقرير. وأُرسلت هذه الوثائق وغيرها من الوثائق التي توضح السياسة المشتركة لحكومة جلالة الملك والحكومة العراقية تجاه أكراد العراق إلى عصبة الأمم، مرفقة بعريضة مقدمة من بعض الأكراد تتعلق بوضعهم في العراق، وجرى بحثها من قبل لجنة الانتدابات الدائمة في دورتها التاسعة عشرة في تشرين الثاني/نوفمبر 1930. وفيما يلي نص القرار الذي أصدرته لجنة الانتدابات الدائمة بشأن تلك العريضة والملاحظات والوثائق المرافقة التي قدمتها الحكومة البريطانية:
“حيث إنه لا يوجد أي قرار صادر عن عصبة الأمم يمكن الاستناد إليه لتبرير مطالبة مقدمي العريضة بإقامة حكومة كردية تحت إشراف عصبة الأمم؛
“وحيث إن مثل هذا الطلب لا يستند إلى أي أساس في قرارات مجلس عصبة الأمم، ولا يمكن تفسيره إلا باعتباره نتيجة فهم خاطئ تماماً للقرارات التي اتخذها المجلس في 16 كانون الأول/ديسمبر 1925 عندما أُلحقت المنطقة التي يعيش فيها مقدمو العريضة بالعراق؛
“وحيث إن تلك القرارات نصت على معاملة خاصة للأكراد، وهي معاملة لا يبدو ـ وفقاً لأحدث المعلومات المتوفرة لدى الدولة المنتدبة ـ أنها مطبقة بالكامل، كما أن بعض ضمانات الإدارة المحلية لم تُوفَّر بعد؛
“فإن لجنة الانتدابات الدائمة تقرر أن توصي المجلس بما يأتي:
(1) رفض عريضة الوجهاء الأكراد بقدر ما تهدف إلى إنشاء حكومة كردية تحت إشراف عصبة الأمم؛
(2) مطالبة الدولة المنتدبة بالعمل على تنفيذ التدابير التشريعية والإدارية الرامية إلى تأمين الوضع الذي يستحقه الأكراد بصورة سريعة وفعالة؛
(3) النظر في مدى ملاءمة اتخاذ تدابير تكفل استمرار هذا الوضع للأكراد إذا تحرر العراق نهائياً من وصاية بريطانيا العظمى.”
11 ـ اضطرابات انتخابات السليمانية
وردت في العرائض التي قُدمت إلى عصبة الأمم إشارات عديدة إلى أعمال الشغب التي وقعت في مدينة السليمانية أثناء انتخابات سنة 1930، كما أُرسل إلى العصبة تقرير مفصل بشأنها مرفق بالملاحظات الأولية لحكومة جلالة الملك على تلك العرائض. ولذلك لا يُرى من الضروري إعادة سرد الحوادث كاملة هنا، غير أن هذا التقرير لا يكتمل دون إشارة موجزة إلى تلك الاضطرابات.
في 6 أيلول/سبتمبر 1930 دُعي نحو ثلاثين من الأعيان إلى مقر الحكومة المحلية في السليمانية لانتخاب لجنة تفتيش وفقاً لقانون الانتخابات. وأثناء سير عملية الانتخاب تجمهر حشد خارج المبنى الحكومي، وما لبث أن ازداد عدده واشتد غضبه إلى حد عجز الشرطة الموجودة عن السيطرة عليه، خاصة أن أفرادها لم يكونوا مسلحين.
[01/06/2026 07:04 م] توفيق التونجي: ورُميت الحجارة، وكُسرت 153 نافذة في السراي الحكومي، وتعرض رجال الشرطة للرشق بالحجارة، كما تعرض السجن المحلي ومستودع أسلحة الشرطة للتهديد. وعند هذه المرحلة طُلبت المساعدة العسكرية، لكن وصول مفرزة من المشاة لم يكن كافياً لتفريق الجموع، واضطر العسكريون إلى إطلاق النار قبل أن ينجحوا في تفريق المتظاهرين. وكانت الخسائر في هذه الاضطرابات كما يأتي:
الشرطة: 10 جرحى.
الجيش العراقي: قتيل واحد و3 جرحى.
المشاغبون: 14 قتيلاً و23 جريحاً.
وقد أُحيل 98 شخصاً أمام القضاء بتهم مختلفة تتعلق بالشغب:
أُطلق سراح 95 منهم بعد أخذ تعهدات عليهم.
أُحيل اثنان إلى المحاكمة ثم بُرِّئا.
وأُمر شخص واحد بالإقامة خارج حدود لواء السليمانية.
وبعد هذه الحادثة عُلقت الإجراءات الانتخابية مدة تزيد قليلاً على أسبوع، ثم استؤنفت من جديد، وانتُخب ممثلو لواء السليمانية في الوقت المناسب للمشاركة عند افتتاح البرلمان في 1 تشرين الثاني/نوفمبر 1930.
أما في لواء أربيل والمناطق الكردية التابعة للواءي كركوك والموصل فقد جرت الانتخابات العامة دون حوادث تُذكر.
12ـ تجدد نشاط الشيخ محمود
خلال خريف سنة 1930 تعرض الأمن والنظام في أجزاء من لواء السليمانية لاضطراب خطير جديد بسبب الشيخ محمود. وكما ورد سابقاً في هذا الفصل، فقد كان الشيخ محمود قد وقع سنة 1927 تعهداً بالامتناع عن أي تدخل في الشؤون السياسية داخل العراق. وفي مقابل ذلك تُرك متمتعاً بكامل أملاكه التي كانت قد صودرت سابقاً بسبب عدائه المستمر للسلطة. وفي أوائل أيلول/سبتمبر 1930 تبيّن أنه بدأ يجمع قوة عشائرية مسلحة على الحدود الفارسية، وبدا واضحاً أن نياته كانت تخريبية.
فوجّهت إليه فوراً تحذيرات من عواقب خرق تعهده بالبقاء خارج العراق وعدم التدخل في السياسة، لكنه لم يعبأ بهذه التحذيرات، وبعد أيام قليلة دخل العراق مع مجموعة مسلحة من أتباعه. كما فرّ ثلاثة ضباط أكراد من الجيش العراقي كانوا متمركزين في السليمانية وانضموا إليه. ورغم الأوامر والتحذيرات المتجددة رفض الشيخ محمود مغادرة الأراضي العراقية، وبقي يتحرك أساساً في المنطقة العشائرية الواقعة شمال السليمانية، ناشراً الدعاية بين رؤساء العشائر سعياً للحصول على التأييد لقضيته الشخصية. كما وجّه مطالب إلى المندوب السامي تضمنت:
-إخلاء “كامل كردستان من زاخو إلى خانقين” من سلطة الحكومة العراقية،
-وإنشاء حكومة كردية تحت الانتداب البريطاني إلى حين صدور قرار نهائي من عصبة الأمم.
وعندئذ تقرر ضرورة العمل على تفريق تجمعات الشيخ محمود المسلحة وطرده بالقوة من العراق. وفي 3 تشرين الثاني/نوفمبر هاجمت قوة تابعة له قوامها نحو 200 رجل منطقة بنجوين. فأُرسلت قوة من الجيش العراقي، بالتعاون مع الطائرات البريطانية، لفك الحصار عن بنجوين. ثم نقل أتباع الشيخ محمود نشاطهم إلى منطقة سردشت، فاضطرت الحكومة إلى إرسال حملة عسكرية أخرى من السليمانية لمواجهتهم. ودارت عدة اشتباكات صغيرة، وفي أحدها يوم 3 كانون الأول/ديسمبر خسر الجيش العراقي أربعة قتلى، إضافة إلى إصابة ضابطين وثلاثة جنود بجروح.
واستمرت حرب العصابات من هذا النوع طوال الأشهر الأولى من سنة 1931، وحتى وقت إعداد هذا التقرير لم يكن الشيخ محمود قد استسلم أو أُلقي القبض عليه. غير أن تأثير نشاطه لم يكن خطيراً بالقدر الذي قد يبدو لأول وهلة، إذ إن الأمن والنظام ـ باستثناء الحوادث التي تسبب بها أتباعه مباشرة ـ لم يتدهورا بصورة خطيرة، كما أن دعايته لم تحقق نجاحاً ملحوظاً في ألوية أربيل وكركوك والموصل.