جميل عودة ابراهيم
تؤدي الحروب والنزاعات المسلحة غير الدولية -لأسباب سياسية وعرقية ودينية- إلى قتل الملايين من الناس ومعظمهم من المدنيين لاسيما الأطفال والنساء والفئات الضعيفة، نتيجة عمليات إبادة جماعية وأعمال تعذيب شنيعة واغتصاب ومذابح ونـزوح جماعي وغيرها. ومع ذلك، وفي أغلب الأحيان، كان الإفلات من العقاب بالنسبة لمرتكبي تلك الجرائم هو الظاهرة الأكثر شيوعا .
يعني الإفلات من العقاب من الناحية القانونية “غياب العقوبة عند خرق قاعدة من قواعد القانون الجنائي”، ويمكن تعريفه بشكل أدق، هو “غياب حق أو فعل يرتب المسؤولية الجنائية للفاعلين المنتهكين لحقوق الإنسان، وكذا المسؤولية المدنية والإدارية والأخلاقية، وهذا يجعلهم يفرون من كل تحقيق يمكن أن يضعهم محط اتهام، إيقاف أو إصدار حكم قضائي، ورغم حصول الفاعل المتهم، وحصول ضرر للضحايا”.
فالإفلات من العقاب يمكن اعتباره في حد ذاته انتهاكا مضاعفا لحقوق الإنسان، فهو يحرم الضحايا وأقاربهم من الحق في إقرار الحقيقة والاعتراف بها، والحق في إقرار العدالة، والحق في الإنصاف الفعال والتعويض، وهو يطيل أمد الأذى الأصلي الذي لحق بالضحية من خلال السعي لإنكار وقوعه، وفي هذا انتهاك آخر لكرامة الضحية وإنسانيته .
في الحقيقة، أن مثل هذه الانتهاكات لن تؤثّر على الضحايا المباشرين وحسب، بل على المجتمع ككلّ، وبالتالي، فمن واجب المجتمع أن يضمن، بالإضافة إلى معاقبة مرتكبيها ومعرفة الحقيقة والتعويض عن الأضرار التي لحقت بالضحايا، عدم تكرار تلك الانتهاكات في المستقبل من خلال بناء قاعدة الشرعية القانونية والدستورية القائمة على أساس احترام قيم ومبادئ حقوق الإنسان وحرياته وكرامته .
توصل العالم إلى معالجات لتلك المشكلات عن طريق ما يُعرف بمفهوم “العدالة الانتقالية” وهي مفهوم متداول على نحو واسع في أيامنا هذه. والعدالة الانتقالية عبارة عن آلية تتيح تحولا انتقاليا من جهاز استبدادي لا يوجد فيه حكم للقانون إلى نظام ديمقراطي يحترم حقوق الإنسان، والأهداف المعلنة للعدالة الانتقالية هي، في آن ً معا، إعادة الكرامة للضحايا، وبناء الثقة بين الجماعات المتحاربة، وتعزيز التغيرات على مستوى المؤسسات التي يقتضيها تحقيق علاقات جديدة بين السكان، من أجل مواكبة حكم القانون، ودون إقرار الممارسات التي ترقى إلى الإفلات الكلي أو الجزئي من العقاب. وتضم الإجراءات المتعددة التي تشكل العدالة الانتقالية في العادة إجراءات “شافية” لعدالة تصالحية (لجان الحقيقة والمصالحة) مع نظام مواز لعدالة جزائية على الأخص بالنسبة لأولئك المسئولين بشكل رئيس عن الجرائم الأكثر جسامة، وأولئك الذين ارتكبوها .
فضلا عن ذلك، فان ترتيبات العدالة الانتقالية تقضي بإصلاح المؤسسات، وذلك بإعادة العبرة لسيادة القانون، والتأكد من أن الهيئات القضائية جاهزة للقيام بدورها مستقبلا. وفي الوقت عينه، العمل على ضمان عدم إفلات مرتكبي الجرائم المرتكبة خلال العهد السابق من العقاب. لذلك، فالعدالة الانتقالية تسعى لتحقيق أهداف متعددة في أوضاع ما بعد النزاعات التي يواجه فيها من هم في الحكومة احتياجات أخرى ملحة، كنزع سلاح القوات المقاتلة، وتحسين أمن المدنيين، وتعويض الضحايا، وإنعاش اقتصاد مجتمع مدمر .
يقول “مارك فرميان تركز العدالة الانتقالية على مسألة الطريقة التي تعالج فيها المجتمعات التي هي في حالة انتقال من حكم استبدادي إلى ديمقراطية قصة الانتهاك الجسيم لحقوق الإنسان، وهي معنية أساسا بانتهاكات حقوق الإنسان الجسيمة المعروفة كالتعذيب، والإعدام دون محاكمة، والاختفاء القسري، والرق، والاحتجاز التعسفي لفترات طويلة، وكذلك “جرائم دولية” معينة بما في ذلك الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية، والانتهاكات الجسيمة للقوانين والأعراف المنطبقة في النزاعات المسلحة، سواء أكانت ذات طابع وطني أم دولي .
ومن خلال هذا المفهوم، يمكن تعريف العدالة الانتقالية بأنها: مجموعة كاملة من العمليات والآليات “القضائية والقانونية والسياسية والدستورية” المرتبطة بمحاولة الدولة والمجتمع للتوصل إلى وفاق، للتعامل مع الإرث الكبير من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي حدثت في الماضي، والتي يمكن أن تسن في مرحلة تحول سياسي بين فترة عنف شديد وقمع وانتهاكات جسيمة إلى فترة استقرار سياسي .