لطيف دلو
أتناول من كتاب وعاظ السلاطين للدكتور على الوردي ، سياسة انظمة الحكم و واستغلال الدين فيها مع القوة معا او ايهما اصلح لديمومتها ، الاول لجذب عواطف اناس بسطاء والثانية لاخضاع المخضرمين والحضريين للسلطة ويذهب بنا الى قرون مضت ومن هناك الى عالمنا الحالي بكل مفاصله وماجرى في العالمين من القتل والنهب والسبايا واسر اناس حر وبيعهم كعبيد او استغلالهم مدى الحياة وإمتلاك الجواري بأعداد لا يعقلها المنطق ولا الرغبة البشرية وتدمير حضارات واحتكار الطغاة الثروات لانفسهم وجلاوزتهم وحرمان شعوبهم منها بتسهيل من الواعظين إن دعت بالايات والاحاديث وتحريمها على الفقراء ومثال على ذلك إذا غازل جارية نزلوا عليه غضب الله بينما يباركون ويهنؤن الغني وأصحاب السلطة على تلك الجواري التي اشتراهن من السوق واشاد الكاتب برواية إن الخليفة سليمان بن عبد الملك كان يوما في البادية فسمع غناءا من بعيد وكان الصوت رخيما مطربا وغضب منه واعتبره خطرا على عفاف النساء واغرائهن وإفسادهن وامر بخصاء المغني ، وعندما نتناول تاريخ حيات الخليفة كان مولعا بالجواري ولهن مكانة خاصة في بلاطه واحداهن كانت لها علاقة بيزيد عبد الملك .
وأفاد الكاتب بأن الحكام كانوا يمثلون في سلوكهم النمط الواقعي الذي يسير عليه الناس في حياتهم العملية قد ينطبق عليهم قول الرسول (ص) كيفما تكونوا يولى عليكم ، لذلك لم يكونوا يبالون عما يتكلم به الناس في إعتراضاتهم فإنهم يقولون مالا يفعلون ، كما هوحال طبيعة الحكام حاليا لان لم تتغير سياسة الحكم بالرغم من الانقلابات والانتخابات وتغيير الرؤس في القيادة والسلطة إلا إن الوضع السياسي في البلاد سار ويسير من سيء الى اسوأ بسبب طمع الاستحواذ والتباهي بالسلطة مترسخة في عقول الفرد العراقي واورد الكاتب مثالا بأن رجلا كان يملك ذئبا يقول له إياك وأخذ اغنام الناس لئلا عاقبتك واجابه الذئب خفف عني واختصر فهناك قطيع غنم اخشي أن يفوتني وإن كان هذا مثلا فإنه حقيقة حكامنا وإلا اين ذهبت كنوز بلاد الرافدين ولربما هناك منها الذهب والعملة الصعبة في البنوك الغربية مسجلة بالكود واصحابها قتلوا اوماتوا وذهبت الى تلك البنوك واعداد من الشعب يرتزق من المزابل في ارذل الحياة .
يقول الكاتب عن الزعيم الهندي غاندي إنه كان مخلصا عظيما ويسأل الله أن يرزقنا زعيما مثله وإنه لم ينل الزعامة بإخلاصه وحده ، بل الملايين من الهنود كانوا يقدسونه ويكادون ان يعبدوه وكلما ازداد الطغاة الظلم عليه أزدادت الجماهير إعجابا به وهو ازداد ايمانا وإخلاصا لوطنه وشعبه ، واود أن اضيف اليه مانديلا في جنوب افريقيا بعد تحرير بلاده استلم الرئاسة لدورة واحدة ورحل ، ولدينا نحن من تاريخ تاسيس الدولة العراقية 1921 ماحدث من الاحتلال والحروب والانقلابات والاقتتال الداخلي بسبب التعصب وكل من ترأس الحكم استلمه بالتصفيق والتاييد منقطع النظير ولكن غادره بالرحمة عليه من قبل فئة ضئيلة من المستفيدين منه وبالكره والبغض من قبل الاخرين لان لم يسلك اي منهم سياسة دولة المواطنة وتعريف العراقيين بالهوية الوطنية ولاشك هذا امر طبيعي ( كيفما تكونوا يولى عليكم ) فكيف يظهر فيهم حاكم يتخلى عن المال والجاه ونفوذ السلطة ليدخل التاريخ خالدا كما اسلفت ؟ .
في محفل كتابه ذكر الكاتب الفقر واشاد بقول الامام علي (رض) ما ضرب الله عباده بسوط أوجع من الفقر ويقول المثل الدارج إذا ذهب الفقر الى بلد قال الكفرله خذني معك ويقول ابو حنيفة لا تقبلوا شهادة من ليس في بيته طحين معتمدا على قول الامام علي (رض) فالمعوز الذي لا يملك طعاما في بيته مضطر أن يغش ويكذب ويراوغ ويخادع ليدرأ عن نفسه خطر المجاعة التي لا ترحم ، هذا ما قيل عن الفقر ولكن في عهد سلاطين الوعاظ اناس من الفقر المقفر يصبحون اثرى الاثرياء بين ليلة وضحاها من المال والجاه والمناصب بالنصب والاحتيال دون مؤهلات على حساب المال العام واناس من الاغنياء اصبحوا تحت خط الفقر نتيجة المصادمات والاقتتال الطائفي والقومي والديني نتيجة التعصب والتطرف وفقراء لا حول لهم ولا قوة يرتزقون من المزابل دون مراعاتهم من اولياء السلطة خشية ان يكونوا لقمة سائغة للاعداء في استغلالهم لمصالحها كما حصل في ايران 2025 في معاركها مع اسرائيل ، واشد غلطة لاي نظام يمارس (جوع شعبك يتبعك) كما سمعناها كثيرا وأدت به نتائجها الى الطمر في مزابل التاريخ .
ونوه الكاتب عن قصة تلك المرأة المسلمة التي اهينت في بلاد الروم أيام المعتصم فصاحت تستنجد به ، فذهب اليها المعتصم ينجدها بجيش الاسلام الذي لا راد له واخذ بثأرها وعاد يجر وراءه السبايا والعبيد مكبلين بسلاسل الحديد وجنوده الذين ذهبوا لنجدة تلك المرأة كانوا يتحرشون بالنساء والغلمان في بغداد وينتهكون حرماتهم ولربما رأوا الواحد بعد الاخر قتيلا في قارعة الطريق ويقال إن المعتصم كان يسير مرة بموكبه في شوارع بغداد استوقفه شيخ وقال له ،لاجزاك الله خيرا ، جاورتنا وجئت بهؤلاء العلوج من غلمانك الاتراك فاسكنتهم بيننا فأيتمت بهم صبياننا وارملت نساءنا وقتلت رجالنا ، فلم يبال المعتصم بتسلط جنوده على نساء بغداد ولكن إمرأة في اقصى الارض تستغيث به ويسرع الى إغاثتها ويحشد في سبيلها اؤلئك الجنود الغاشمين انفسهم والله يعلم ماذا فعلوا بأهالي البلاد التي مروا بها او فتحوها ، وأضاف ان للعرب اليوم أن يفتحوا عيونهم ويقرؤا تأريخهم في ضؤ جديد لقد ذهب زمن السلاطين وأن أوان اليقظة الفكرية التي تستلهم من التاريخ عبرة الانسانية الخالدة ، وبهذين السطرين الاخيرين سد امامي باب المداخلة والاستبيان إلا ان اتساءل السنا اليوم متوحلين فيها فلكل سلطة فئة معينة يتمتعون بإمتيازات تفوق التصورعن غيرهم لربما هم اقل منهم في الخدمة والمؤهلات ؟
عن الضمير البشري أفاد بأن بعد مقتل سيدنا الحسين (ع س) سبين نسائه وبناته وجيء بهن الى الشام بإعتبارهن من سبايا أمير المؤمنين يزيد بن معاوية فرأهن على تلك الحالة شيخ متدين من اهل الشام فدنى منهن يتوكأ على عصاه وهو فرح بالنصر الذي تم على يد المسلمين واعتبر ذلك نصر من الله ولما علم اخيرا بان السبايا من بنات رسول الله فبكى وتألم وهذا هو منطق الضمير البشري لا يتألم إلا لمن يحبه ويقدسه أما سائر الناس عليهم العفاء ، وأقول عن حادثة مقتل سيدنا الامام الحسين (ع س) ومن معه كانت فاجعة مؤلمة كبيرة من الظلم والغدر والطغيان تقشعر منها الابدان قبل الضمائر لكل من يحسب نفسه انسانا وتقام لهم مراسيم العزاء سنويا من اول محرم الى العاشر منه من قبل الطائفة الشيعية لاخذ العبر منها لتحريم سفك الدماء ومناصرة المظلومين كما تمليه علينا الشريعة السماوية والانسانية ، وفي كردستان حدثت جرائم وإن اختلفت ظروفها تقشعر منها الابدان في الخنق الكيمياوي وقتل ودفن الوف الاحياء من الاطفال الرضع والشباب والشيوخ والعجائز الكرد في مقابر جماعية منهم في صحاري الجنوب ومنهم من اغتصبت املاكهم ودورهم على الهوية دون ان يرتكبوا ابسط مخالفة قانونية ولم يكن فيهم حامل سلاح وبعد سقوط النظام البائد تمت إعادة رفاة الكثير منهم والباقون مجهولون والغرابة هنا اين العبرة من تخليد عزاء الحسين (ع س) لاحقاق الحق وازهاق الباطل من قبل المشرفين على العزاء وهم في دفة السلطة في إعادة الممتلكات والدور المغتصبة لورثتهم وغيرهم من الكرد وفق المادة 140 الدستورية وقانون الغاء قرارات مجلس قيادة الثورة المنحل الخاصة بالاستلاء على تلك الممتلكات ؟ .
لقد عاصرت حالتين من وعاظ السلاطين ( لبس الحق بالباطل) وسلاطين الوعظ ( لبس الباطل بالحق) من حيث اتذكر من النظام الملكي في العراق عندما خطب الشاب فيصل الثاني ملك العراق فتاة تركية اشيع نبأ من وعاظ السلاطين بأن لايجوز للملك ان يتجوز من العراقية بإعتباره أبا لجميع العراقيين وسمعت ذلك باذني وانا طفل لا افهم ما يعنون وبعد مدة كنت ادرس في جامع قريتنا مع زملاء يدرسنا إمام وخطيب القرية دخل علينا رجل وقال للامام لقد حدثت ثورة في بغداد دون ان نعرف معناها واي شيء عنها وبعد مرور ايام تبين بان مجموعة من العساكر قاموا بسقوط النظام الملكي الدستوري صبيحة 14 تموز 1958 وقتلوا الملك مع جميع افراد اسرته وهو كان في مقتبل العمر ولم يكن له اي سلطة وكان يديرها خاله عبد الاله والسياسي العراقي المخضرم نوري السعيد رئيس الوزراء وقتلوا جميعا دون مقاومة منهم ومثلوا بجثث بعضهم وابدلوا النظام الملكي البرلماني بالنظام الجمهوري العسكري ومن هنا بدأ عهد سلاطين الوعظ الى يومنا هذا .
وقال الكاتب في السطور الاخيرة التي اختتم بها كتابه المذكور، لقد أن الاوان لكي نحدث انقلابا في اسلوب تفكيرنا فقد ذهب زمان السلاطين وحل محله زمان الشعوب وليس من الجدير بنا ونحن نعيش في القرن العشرين ، أن نفكر على نمط ماكان يفكر به اسلافنا من وعاظ السلاطين ، وأن لنا أن نفهم الطبيعة البشرية كما هي في الواقع ونعترف بما فيها من نقائص غريزية لا يمكن التخلص منها ثم نضع على أساس ذلك خطة الاصلاح المنشود ، أما أن نعتبر الانسان ملاكا ونطلب منه أن يسير في حياته سيرة الانبياء والقديسين ويبقى الطغاة حينئذ يعيثون في الارض فسادا وهم أمنون ، وختاما اترككم مع تاملاتكم واختياراتكم بعد ان اطلعتم على نظام الحكم الملكي البرلماني والجمهورية العسكرتارية واخيرا حكومات المحاصصة الانتخابية لكي نعيش بأمان وإستقرار في دولة متعددة المكونات بجمال لوحة الفسيفساء ، ألسنا بحاجة الى سلطة الشعب كما نوه عنها الكاتب في خلاصة كتابه ؟ .
20 تموز 2025