ماهين شيخاني
في زمنٍ أضحت فيه الحروب تُعاد تشكيل الخرائط لا على سطح الأرض فقط، بل في أعماق الذاكرة والروح، تصدر قريباً رواية “مدينتان ونصف وطن… في زمن النزوح” للكاتب ماهين شيخاني، لتكون أكثر من مجرد سردٍ واقعي؛ إنها مرثيةٌ وطنية ووثيقة إنسانية تلتقط تفاصيل الانهيار قبل أن تلتقطها ذاكرة النسيان. ومع اقتراب موعد توزيعها، يقف هذا النصّ الأدبي كمرآةٍ تعكس وجع جيلٍ كامل لم يعد يعرف إن كان يحمل وطناً في قلبه أم أنه يحمل قلبه فوق كتفيه كحقيبةٍ مهترنة.
ليست الرواية فصلين جغرافيين بين مدينة “الدرباسية” التي اشتعلت بنيران الحرب، ومدينة “هولير” التي لم تطفئ برد الغربة، بل هي رحلةٌ وجودية في مساحات الألم والمقاومة والصمت. “نصف الوطن” هنا ليس مجرد مساحة ناقصة، بل شعورٌ دائم بالنقص والاقتلاع، وحنينٌ إلى ما لم يعد كما كان. يكتب ماهين شيخاني بعين الشاهد ويألم الأب، فينقلنا من تفاصيل ليلة الهروب الأولى، حين سمع دوي الانفجار في الرابعة عصراً وامتلأت الشوارع بالسيارات المندفعة كالدماء في شرايين مذعورة، إلى تفاصيل العيش داخل خيمة رقمها C53 في مخيم “برده ره ش”، حيث يصير الرقم هو الهوية الجديدة، وبطاقة التعريف التي بدونها لا تحصل على ربطة خبز ولا على اعتراف بوجودك.

ما يميّز هذه الرواية هو غياب الأبطال الخارقين، فهي لا تقدّم لنا ملاحم عسكرية أو خطابات سياسية جاهزة، بل وجوهاً حقيقية تحمل أسماءً وذكرياتٍ ولهجات، تحاول أن تعيش… فقط أن تعيش. هناك الطفل “مسعود” الذي لم يكمل عامه الثالث، ويعيش بكلية واحدة، يسأل أباه بعينين واسعتين: “بابا… إلى أين نذهب؟” فيجيبه الأب: “إلى قدرنا يا بني.” وهناك “تاليا” الصغيرة التي تتمسّك ببيتها في الدرباسية كأنها تتمسك بدميتها، وتصرخ بين الدموع: “بابا… نروح ع بيتنا بالدرباسية؟” وهناك “بارون” المخيم، ذلك الرجل القصير النحيف الذي يضحكنا بملابسه الأنيقة ونكاته اللاذعة، بينما ندرك أن ضحكه ليس سوى قناعٍ يخفي انكسار رجل كان يمتلك أسراراً وأصدقاءً، فصار يبحث عن عرشٍ من البلاستيك تحت خيمة. وهناك “شيروان”، ظل اللاجئ الذي يبيع الأمل كسلعة، فيخدع العشرات من البائسين، ثم يظهر لاحقاً على شاطئ إسبانيا مبتسماً، تاركاً خلفه دفتراً أسود ممزقاً وبقايا أحلام تتطاير في الريح.
تتدفق اللغة بين الواقعية القاسية والتأمل الشعري، فلا تجد فاصلاً بين وصف طابور الماء الممتد تحت الشمس اللاهبة، وبين جملة تكسر قلبك كقول الراوي: “نحن لا نموت مرة واحدة، نحن نموت كلما تأخر أحدهم عن نجدتنا.” يتحول المخيم في سرد شيخاني إلى مختبرٍ لاختبار الكرامة الإنسانية؛ حيث تُختبر في طابور الخبز، وفي نظرة الموظف حين تطلب مساعدته، وفي لحظة عجز الأم حين تضرب طفلها ليس من قسوة بل لأنها لا تملك قطعة سكر تعطيه إياها. إنها روايةٌ تفضح زيف الخطابات الدولية، حين يصل وفد أجنبي لتنظيف شوارع المخيم بينما يتساءل الراوي بمرارة: هل نغسل أيدينا من الماء… أم من الأمم؟ وحين تسأله إعلامية أمريكية عن رسالته إلى ترامب، فيشير إلى آلاف الخيام البيضاء ويقول: “الإرهاب الحقيقي هو الدولة التركية، وأنتم من يساعدها.”
لا تغفل الرواية عن البعد التاريخي والوطني، فهي تُحيي ذكرى شخصيات مثل المناضل حميد حاج درويش، مؤسس أول حزب كردي، وتُخلّد رحيل الإعلامي أكرم الملا، وكأنها تؤكد أن المنفى ليس مجرد اقتلاع من الأرض، بل هو أيضاً موتٌ بطيء للرموز والذاكرة. وفي خضم هذا الوجع الجماعي، تبرز المفارقة الأجمل: أن المخيم الذي جمّع اللهجات الكوردية المختلفة من عفرين وكوباني إلى سري كانيه والدرباسية، صار حديقةً لغويةً تنمو في قلب الخراب، كما لو أن الحرب حين سرقت البيوت، منحت الكلمات فرصةً للتلاقي.
أما الفصل الأخير، وهو قرار العودة، فيأتي مثقلاً بالتناقضات. يعود الأبطال إلى الدرباسية بعد اتفاقياتٍ أوقفت القصف لكنها لم توقف وجع الغياب. وفي لحظة الوداع، وبينما تستعد الأسرة لحمل أمتعتها، تصطدم الطفلة الصغيرة “تبلي” برأسها بمصراع الباب، وينساب الدم من جبينها الصغير “كأنه ينزف من قلوبنا نحن”. هكذا تنتهي الرحلة، أو هكذا تبدأ، بعودةٍ تخلط بين الحنين والدم، وبين الوطن المفقود والوطن الذي لم يعد يُعرف إلا بألمه.
“مدينتان ونصف وطن… في زمن النزوح” ليست مجرد حكاية نزوح أخرى، بل مرآةٌ لعصرٍ فقد فيه الناس أوطانهم ولم يجدوا بديلاً سوى الأمل المكسور. إنها شهادة حيّة على أن المنفى لا ينتهي بعبور الحدود، بل يبدأ هناك حيث تتحول الخيمة إلى وطنٍ مؤقت، والذاكرة إلى سلاح، والانتظار إلى قدرٍ يومي. ومع أيامٍ قليلة تفصلنا عن صدورها وتوزيعها، ندرك أن هذا النصّ الأدبي سيظلّ نافذةً تطلّ على ما تبقى من الإنسان فينا، ودعوةً لقراءة الحرب ليس كخبر عابر، بل كجرحٍ ينزف في خاصرة القرن.