ما الذي أيقظه فدغم في اليمنيين؟

✍🏻 مشتاق هاشم العلوي

منذ سنوات طويلة، واليمنيون يراقبون الخرائط التي لا تتغير، ويسمعون الأخبار التي لا تحمل جديداً، حتى صار الاعتياد هو السقف الذي يظلل أيامهم. لقد تحولت الحرب بكل ثقلها، إلى روتين يومي رتيب؛ بيانات مكررة ومفاوضات تجري في غرف بعيدة وجبهات يسكنها الانتظار الطويل. في هذا المناخ الساكن، كاد اليمني أن يألف فكرة أنه صار “رقماً” في معادلة لا يملك مفاتيحها، وأن صوته قد ضاع للأبد وسط ضجيج الماكينات الكبيرة التي تدير المشهد من بعيد.

وسط هذا الركود، ظهر فجأة خبر واحد، بسيط ومفاجئ؛ رجل يخرج من سجن الكهنوت، شيخ قبيلة يصل إلى حكومة مأرب بعسيبه المكسور ودموعه التي لم يحاول إخفاءها. لم يكن في الخبر تفاصيل عسكرية، ولا وعود سياسية كبرى، ومع ذلك، سرت في أوساط الناس حالة من الاهتزاز لم تكن تتناسب، بحسابات السياسة الباردة، مع حجم الحدث كواقعة فردية. اهتزت الهواتف في الأيدي، واشتعلت المجالس بالحديث، وبدا وكأن خبراً واحداً قد وجد طريقه سريعاً إلى يمنيين لم يجمعهم شيء تقريباً منذ سنوات.

من اللافت أن هذا الاهتمام لم يكن محصوراً في جغرافيا معينة أو توجه سياسي محدد. لقد تابع الناس في صنعاء وتعز وعدن وحضرموت والمغتربون في أقاصي الأرض، تفاصيل وصول الشيخ حمد بن فدغم وكأنها تخصهم شخصياً. لم يلقِ الرجل خطبة ولم يقدم خريطة طريق، ومع ذلك ترك خلفه أسئلة كثيرة معلقة في الهواء. بدا الاستقبال الشعبي وكأنه يقول شيئاً أكبر من تفاصيل الحادثة نفسها، وأوحى بأن هناك فجوة ما زالت تتسع بين اللغة التي تُدار بها الحرب وبين النبض الذي ما يزال يتحرك في البيوت والشوارع.

الملاحظة الأهم في هذا الزخم الشعبي هي تلك “الدهشة” التي أعادت للناس الإحساس بأن الفعل ما يزال ممكناً خارج إطار الماكينات الرسمية. الشيخ فدغم ظهر في صورة رجل يواجه مصيره بنفسه، وهي صورة بدت مألوفة وقريبة لكثير من اليمنيين الذين يبحثون عن أي أثر حقيقي يكسر رتابة الجمود. ربما لم يكن الناس يحتفلون بالرجل بقدر ما كانوا يحتفلون باكتشافهم أنهم ما يزالون قادرين على الانفعال بخبر واحد، وأن “الاعتياد” لم يقتل فيهم تماماً القدرة على الدهشة أو الحنين لزمن كان فيه الموقف يزن أكثر من ألف بيان.

في النهاية، تظل قصة فدغم أكبر من مجرد واقعة إفراج عن سجين. إنها تتركنا أمام حقيقة أن الروح اليمنية ما تزال تبحث عن طريقها وسط هذا الركام، وأنها مستعدة للاشتعال من جديد كلما وجدت ما يلامس فيها الإنسان قبل أن يلامس فيها المقاتل أو الحزبي. لكن السؤال الذي سيبقى معلقاً في الأفق ليس عن فدغم، بل عنا نحن: لماذا نجح موقف فردي واحد في تحريك كل هذا السكون، بينما عجزت عشر سنوات من السياسة عن فعل ذلك؟

قد يعجبك ايضا