الاستاذ الدكتور : نزار الربيعي
الحضارة نهر عظيم متدفق ومتجدد، والأفراد قطرات من هذا النهر العظيم، وعلى هذا فالإنسان هو أساس بناء الحضارات لأنها ثمرة مجهوده لتحسين ظروف حياته على وجه الأرض، وهو أيضاً معول هدمها، فهو الركن الأساسي في بناء الحضارة أو هدمها، والمتأمل في نصوص الكتاب والسنة يجد عناية فائقة بالإنسان، واهتماماً به، فهو مخلوق مكرم، قال تعالى: وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً، وهو محور هذا الكون وقد سخر لخدمته، وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ، فالإيمان الحق أعطى الإنسان الدور الرائد في الأرض، وخلافتها، وهو دور مركزي في نظام الكون كله، يمنحه مجالاً هائلاً للعمل، والفاعلية، والتأثير.
الإيمان محور صلاح الإنسان: إن الشخصية الإنسانية السوية لا تتكون إلا من خلال الإيمان الصحيح، سواء نظرنا في ذلك إلى معاني الحياة التي يقدمها الإيمان، أو إلى تحقيق طموح العقل، أو الاستجابة لأشواق الروح التي لا توجد إلا في رحاب الإيمان، فهو المحرك الأقوى إلى الخير، وخير دليل على أثر الإيمان في صياغة الإنسان، وصناعته ما ذكره الحق سبحانه في محكم تنـزيله فقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ، فهذا الإيمان دعوة إلى الحياة بكل صور الحياة، وبكل معاني الحياة، وبكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى، من نماء، وحيوية، وعطاء، هذا الإيمان هو دعوة إلى منهج للحياة، وعودة للوعي والفكر إلى حد تستحيل فيه المقارنة بين المؤمن وغيره، قال تعالى: وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُ وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ وَمَا يَسْتَوِي الأَحْيَاءُ وَلا الأَمْوَات.
وتتجلى أهمية الإيمان في بناء الفرد بناءً سوياً في أن الله حين أرسل رسله تترى أمرهم بادئ ذي بدء بإصلاح العقيدة، قال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ، فالإيمان هو القضية الأولى التي يتصدى لها الأنبياء منذ اليوم الأول في الدعوة، فقد بدأ الرسول أولى خطواته في دعوة الناس إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، هذه هي لبُّ دعوته ، وظل يركز عليها طوال ثلاث عشرة سنة، يركز جُلَّ جهده في تربية النفوس لتحمل أكبر طاقة إيمانية يتسع لها القلب البشري، وهي القضية الكبرى والأساسية في هذا الدين الذي سيقوم عليه ذلك البناء الضخم، لأن الأمور الأخرى هي نتيجة منطقية، أو ثمرة من ثمار هذا الإيمان السليم، لأنّه متى استقر الإيمان في النفس استقر معه في الوقت ذاته النظام الذي تمثل فيه هذا الإيمان، ولما بدأ البناء بالفعل – في المدينة المنورة – شمخ خلال سنوات قلائل، بل إن الحضارة الإسلامية بسطت نفوذها على العالم القديم بسرعة مذهلة حتى عُدَّ ذلك معجزة، ولولا هذا الأساس لما تحقق ذلك كله” ولقد كانت حركة هذه الأمة بإيمانها في مجالات الحياة المختلفة أعظم حركة في التاريخ، فلزم في أن يكون الأساس الذي يقوم عليه بناؤها أرسخ الأساس، وأعمقها… كانت الهداية إلى التوحيد هي قمة العطاء الرباني لهذه الأمة، وهي كذلك قمة العطاء الذي قدمته هذه الأمة للبشرية”، لقد كانت الجزيرة العربية تعيش جاهلية جهلاء، وفي ظلام دامس، دون أن تستفيد من الحضارات الأخرى التي كانت تبسط نفوذها على أطرافها، بل تكون أحياناً عرضة لتصارع نفوذ تلك الحضارات فما أن شعَّ نور الإسلام حتى كون الإسلام أعظم حضارة، وهذه الحضارة ولدت في ظل الإيمان، بل انبثقت منه، ونمت وازدهرت في ظله، ولم تخرج من ظله، إلا حينما أصابها الانحراف، و “لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما صلح به أولها”.