أ.د. خليل مصطفى عثمان
أستاذ التاريخ العراقي الحديث و المعاصر
في خضم العلاقة المعقدة بين الحكومة الاتحادية العراقية وإقليم كوردستان، تتخذ التفاعلات أشكالًا متعددة: منها العلني عبر طاولات التفاوض، ومنها ما يُمارس في الظل، عبر أدوات غير تقليدية. وبينما تسير الأطراف في مسارات ظاهرها “التسوية السياسية”، يبرز تساؤل حادّ في الأوساط الكوردية:
هل أصبحت المسيّرات التي تضرب الإقليم بصمت، جزءًا من عملية تفاوضية غير مُعلنة؟
أو بتعبير أدق: هل تُستخدم كأداة ضغط تكتيكي ضمن مفاوضات توزيع السلطة والثروة والنفوذ؟
في تجارب عديدة في الشرق الأوسط، شهدنا تحوّل العنف المنخفض الشدة إلى وسيلة لفرض الشروط وتحقيق مكاسب على طاولة الحوار. وفي الحالة العراقية، تتكرر الهجمات بالطائرات المسيّرة على مناطق استراتيجية في إقليم كوردستان، بالتزامن مع الجمود في الملفات العالقة مثل النفط، والرواتب، والموازنة، والمادة 140.
هذا التزامن لا يبدو عبثيًا، بل يُوحِي بأن هناك استخدامًا ممنهجًا للضغط الجوي بالتوازي مع الخطاب السياسي، في محاولة لخلق واقع تفاوضي غير متكافئ، يدفع الإقليم لتقديم تنازلات تحت التهديد.
إذا ما نظرنا إلى خريطة القوى، فإن الفصائل المسلحة الخارجة عن سلطة الدولة الاتحادية، والتي تملك قدرات تشغيل الدرون، هي أبرز الجهات التي تنفّذ هذا النوع من العمليات. وهذه الفصائل غالبًا ما ترتبط بأجندات تتجاوز سقف الدولة الوطنية، وتعمل على تقليص هامش الاستقلالية الكوردية.
يُعد الموقف الرسمي العراقي من هذه الهجمات الأكثر إثارة للريبة. فباستثناء بعض التصريحات الشكلية، لا يوجد تحرك فعلي لإدانة أو إيقاف استهداف كوردستان.
هل هو عجز؟ ربما.
لكن الأرجح أن هناك قبولًا ضمنيًا بهذا النمط من الضغط، باعتباره يخدم بغداد في تقوية موقعها التفاوضي، دون الحاجة للدخول في مواجهة مفتوحة أو خرق دستوري معلن.
بهذا الصمت، تصبح بغداد طرفًا غير مباشر في التفاوض بالعنف، حتى وإن لم تطلق الطائرات، فإنها تستثمر نتائجها.
ما يجري يُشير إلى تحول خطير في أساليب إدارة الدولة العراقية للخلافات الداخلية، إذ لم تعد تكتفي باللجان والمذكرات، بل باتت تُدير بعض الملفات الحساسة من الجو. وهذا يُعيدنا إلى مفهوم “الردع المُقنَّع”، حيث تُستخدم القوة دون إعلانها، وتُفرض الإرادة دون مفاوضات مكتملة الأركان.
إن استمرار هذا النهج سيؤدي إلى تشويه جوهر الفيدرالية، وتقويض أسس الشراكة الوطنية، وتفريغ العملية السياسية من محتواها، لأن المفاوضات التي تُخاض تحت تهديد الطائرات لا تُنتج تسوية، بل خضوعًا ظرفيًا لا يدوم.
رغم تصاعد الهجمات، لم تنجر حكومة الإقليم إلى رد عسكري أو إعلامي منفلت، وهو ما يُحسب لها ضمن منطق الدولة. لكنها في ذات الوقت مطالَبة اليوم بإعادة ضبط قواعد اللعبة:
•عبر تدويل المسألة ضمن الأطر القانونية.
•وكشف الحقائق للرأي العام المحلي والدولي.
•وربط ملف الأمن الجوي بملفات الموازنة والسيادة.
لأن التفاوض الحقيقي لا يكون تحت ظلال الطائرات، بل على طاولات متكافئة، مبنية على الدستور والاحترام المتبادل.
إذا ما استمرت المسيّرات بالتحليق، واستمرت بغداد بالصمت، فإننا نكون أمام واقع تفاوضي مشوَّه، لا يقود إلى شراكة بل إلى إكراه سياسي. إن مَن يستخدم الطائرات في لحظة تفاوض، لا يسعى لتسوية عادلة، بل لإملاء شروط بقوة التفوق العسكري.
ولذا، فإن استهداف كوردستان بالطائرات المسيّرة يجب أن يُفهم لا كحادث عرضي، بل كمكوّن وظيفي ضمن منظومة تفاوض غير متكافئة. ومن هنا، فإن إعادة تعريف العلاقة بين الحكومة الاتحاديةوالإقليم تبدأ من إعادة بناء الثقة… لا من خرق الأجواء.
واخيرا نقول ان استمرار استهداف إقليم كوردستان بالطائرات المسيّرة وسط صمت حكومي يفرض تساؤلًا مشروعًا: هل أصبح الضغط العسكري بديلاً عن الحوار السياسي؟
وعلى الرأي العام أن يدرك أن ما يجري ليس أمنًا، بل تفاوضًا بالقوة يهدد أسس الشراكة الوطنية