نبيل عبد الأمير الربيعي
لا يُقاس حضور المبدع الحقيقي بعدد ما ينشره من كتب أو بما يشارك فيه من مهرجانات، بل بما يتركه من أثرٍ في الوعي الجمالي، وبقدرته على أن يمنح اللغة رؤيتها الخاصة، وأن يجعل الفن وسيلةً لاكتشاف الإنسان والعالم. فالإبداع ليس تراكماً كمياً، وإنما هو مشروع فكري وجمالي تتشكل ملامحه عبر الزمن، وتترسخ قيمته بقدر ما يمتلك صاحبه من صدق التجربة وخصوصية الرؤية.
وفي المشهد الثقافي العراقي، الذي شهد خلال العقود الأخيرة ظهور عدد من الأصوات الشعرية والفنية، يبرز اسم أنمار كامل حسين الموسوي بوصفه واحداً من المبدعين الذين استطاعوا أن يجمعوا بين الشعر والفن التشكيلي في تجربة واحدة، فجعل من القصيدة لوحةً تنبض بالألوان، ومن اللوحة نصاً بصرياً يفيض بالشعر. وهذه الثنائية لم تكن مجرد تنوع في الاهتمام، بل شكلت جوهر مشروعه الإبداعي، حيث يتداخل اللون مع الكلمة، وتتحول الصورة الشعرية إلى امتداد للرؤية التشكيلية.
ولد أنمار كامل حسين في مدينة الكاظمية ببغداد عام 1985، قبل أن تستقر أسرته في محافظة بابل، المدينة التي أصبحت الفضاء الأوسع لنشاطه الأدبي والفني. وهناك أخذت ملامح شخصيته الثقافية تتبلور، فوجد في البيئة الثقافية البابلية مجالاً رحباً لصقل موهبته والانفتاح على التجارب الإبداعية المختلفة، حتى أصبح أحد الوجوه المعروفة في الوسط الأدبي والفني.

ولم يكن اختياره للفنون التشكيلية خياراً عابراً، بل جاء امتداداً لشغفه المبكر بالجمال. فقد التحق بكلية الفنون الجميلة في جامعة بابل، قسم الفنون التشكيلية – فرع الرسم، وهي دراسة أكاديمية تركت أثرها الواضح في تجربته الشعرية. فالقارئ لنصوصه يلحظ حضور الصورة قبل العبارة، ويشعر أن القصيدة عنده تُرسم بقدر ما تُكتب، وأن اللون يتحول إلى استعارة، والخطوط إلى إيقاع، والفراغ إلى مساحة للتأويل.
ومن هنا يمكن فهم خصوصية شعره، فهو لا يكتفي ببناء الجملة الشعرية، بل يحرص على تشكيلها بصرياً ووجدانياً، لتصبح القصيدة فضاءً تتجاور فيه الحركة واللون والإيقاع. لذلك جاءت نصوصه مشبعة بالحس التشكيلي، وبقدرة واضحة على تحويل التفاصيل اليومية إلى مشاهد شعرية ذات أبعاد إنسانية وفلسفية.
ورغم انشغاله بعمله الوظيفي، ظل أنمار الموسوي حاضراً في الحياة الثقافية العراقية، مؤمناً بأن الثقافة مسؤولية اجتماعية وليست مجرد ممارسة فردية. لذلك انخرط في العمل المؤسسي، فانضم إلى الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق عام 2021، وأسهم في نشاط اتحاد أدباء وكتاب بابل، حيث شغل عضوية الهيئة الإدارية، وتولى أمانة الشؤون الإدارية والمالية، كما كان نائباً لرئيس المنتدى الأدبي الإبداعي، قبل أن يتولى سكرتارية تحرير مجلة “متون”، فضلاً عن عضويته في نقابة الفنانين العراقيين – فرع بابل.
ويكشف هذا الحضور المؤسسي عن شخصية تؤمن بأن الثقافة تُبنى بالتعاون والعمل الجماعي، وأن خدمة الأدب لا تقتصر على كتابة النصوص، بل تمتد إلى صناعة البيئة الثقافية الداعمة للمبدعين.
أما منجزه الشعري، فيمثل امتداداً لهذه الرؤية. فقد أصدر مجموعته الأولى “وأصفف الموت في أهدابي”، التي لاقت اهتماماً نقدياً لما اتسمت به من لغة مكثفة وصور مبتكرة وانفتاح على أسئلة الوجود والموت والإنسان. وهي تجربة كشفت عن شاعر يمتلك أدواته الفنية، ويكتب قصيدة النثر بروح بعيدة عن المجانية والتكرار.
ويواصل الموسوي مشروعه الشعري من خلال مجموعته الثانية “جسد آخر للخطيئة”، التي تنتظر الصدور، إلى جانب مخطوطات شعرية أخرى، في دلالة على استمرار تجربته وتطورها، بعيداً عن التوقف عند منجز واحد.
ولم يقتصر حضوره على الإصدارات الفردية، بل شارك في عدد كبير من المختارات الشعرية العراقية والعربية، منها “مرايا وطن” و**”نصوص لا تعرف الموت”** و**”الموسوعة المعاصرة لمائة شاعر وشاعرة عرب”** التي تُرجمت إلى الإسبانية، إضافة إلى مشاركته في كتاب “مائة نص نثري” المترجم إلى الإنجليزية، فضلاً عن مشاركات أخرى داخل العراق وخارجه، الأمر الذي أتاح لنصوصه الوصول إلى قراء من ثقافات متعددة.
كما وجدت قصائده طريقها إلى عشرات الصحف والمجلات العراقية والعربية والدولية، وهو ما أسهم في توسيع مساحة حضوره الثقافي، وترسيخ اسمه بين الأصوات الشعرية العراقية المعاصرة.
وقد حظيت تجربته باهتمام عدد من النقاد والباحثين، الذين تناولوا منجزه بالدراسة والتحليل، مؤكدين خصوصية لغته، وكثافة صوره، واشتغاله على البعد الجمالي للنص، فضلاً عن التفاعل الخلاق بين الحس التشكيلي والبناء الشعري في أعماله.
ولم يكن حضوره مقتصراً على النشر، بل كان فاعلاً في المهرجانات الأدبية، إذ شارك في مهرجان المربد الشعري، ومهرجان الحبوبي، ومهرجان الجواهري، ومهرجان بابل الدولي للثقافات والفنون العالمية، ومهرجانات وملتقيات ثقافية عديدة داخل العراق، مؤكداً حضوره المستمر في المشهد الثقافي.
كما تجاوزت تجربته حدود اللغة العربية، بعد أن تُرجمت مختارات من شعره إلى اللغات الإنجليزية والفرنسية والإسبانية والآشورية، وهي خطوة تؤكد قابلية النص للتفاعل مع ثقافات أخرى، وقدرته على حمل خصوصية الشعر العراقي إلى فضاءات عالمية.
وقد تُوج هذا العطاء بعدد من الجوائز والتكريمات، من أبرزها اختياره عام 2016 ضمن ثلاثين شاعراً مبدعاً في يوم الشعر العالمي، فضلاً عن عشرات الشهادات التقديرية والدروع التي نالها تقديراً لإسهاماته الثقافية والفنية.
إن تجربة أنمار كامل حسين ليست مجرد تجربة شاعر يكتب قصيدة، ولا فنان يرسم لوحة، بل هي مشروع ثقافي متكامل يقوم على الإيمان بأن الجمال فعل مقاومة، وأن الفن الحقيقي قادر على مواجهة النسيان، وإعادة اكتشاف الإنسان. وبين الريشة التي تمنح اللون حياته، والكلمة التي تمنح المعنى خلوده، يواصل أنمار كامل بناء مشروعه الإبداعي بهدوء وثقة، ليؤكد أن القصيدة واللوحة ليستا عالمين منفصلين، بل وجهان لحقيقة جمالية واحدة، وأن المبدع الحقيقي هو من يستطيع أن يجعل اللون ينطق، والكلمة ترى.