الخطاب السياسي العربي بين الشكل والمضمون

الاستاذ الدكتور : نزار الربيعي

عند الاشارة للخطاب السياسي العربي المعاصر، نبدو وكأننا نسلم مسبقا بأن لدينا بنية داخلية لنظام الخطاب السياسي العربي، وهذه البنية تشكل المحدد الذي يميز ذلك الخطاب عن غيره، وهذه البنية تقوم على دعامتين هما شكل الخطاب متمثلا في التراكيب اللغوية بين المفردات التي تفضي إلى مفاهيم تعلو على المفردات المجردة أولا، ومضمون الخطاب ثانيا والذي نبلغه بتحليل عقلي لما يستبطنه التركيب اللغوي عبر توظيف للمفاهيم يساهم في فك ما استعصى على الفهم، الأمر الذي يعني أننا نسلم بوجود علاقة بين الشكل والمضمون.

لكن هذه العلاقة بين الشكل والمضمون ليست علاقة طليقة ومتحررة من الضوابط، إنها تفاعل يتم في دورق المنظومة القيمية التي تشكلت تاريخيا وتضبط العلاقة والدلالة بين المفردات والمفاهيم الثاوية في باطن الخطاب، وهو ما يعني توثيق الصلة بين المفهوم من ناحية، وسياقه التاريخي من ناحية أخرى، لتعرُّف مدى تطوره عبر رحلة الخطاب، وهو ما يؤسس لتحرٍّ دقيق للصلة بين بنية المجتمع وبنية الخطاب معبرا عنها بشبكة المفاهيم التي يتأسس الخطاب عليها، وسأوضح ذلك بمثال واحد، ففي النص المشهور المنسوب لعمر بن الخطاب “متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا” يرد مفهوم الحرية هنا بمعنى “نقيض الرق” بالمدلول الاجتماعي التاريخي للرق، لكنه لا يتسع بدلالاته لمعنى الحرية كما هو متداول في الخطاب المعاصر، لأن منظومة القيم الحاكمة لمعنى المفاهيم أصابها تغيير عميق، فتشابه اللفظ لا يستوجب تشابه المعنى نظرا لتباين السياق.

والقيم تمثل “مثالية” تسيطر على الحركة، ولكن هذه المثالية ليست إلا نتاج عراك عضوي وعقلي بين الفرد وبيئته الطبيعية والاجتماعية، فالقيم ثمرة التفاعل كما يقول ويندت في النظرية البنائية (constructivism).
كل ذلك يعني أن جيولوجيا الخطاب السياسي (والخطاب بشكل عام) تقوم على صفائح يعلو بعضها بعضا، لكن قاعدة ارتكازها هي البنية الاجتماعية تعلوها منظومة قيمية توجه الحركة وتضفي عليها مستوى شرعيتها، ويتم التعبير عن هذه المنظومة بشبكة مترابطة من المفاهيم التي تستند على مفردات اللغة.

ذلك يعني أن أسس تحديد المفاهيم في الخطاب السياسي العربي المعاصر يشترط-في منهجنا هذا- وعيا بدوائر ثلاث:
البنية الاجتماعية العربية المعاصرة: وهي مجموعة الوحدات الاجتماعية بدءا من الفرد والأسرة والعشيرة والقبيلة والأمة والحزب والنقابة… إلخ، ثم شبكة التفاعلات بين هذه الوحدات، ومنظومة القواعد التي تضبط هذه التفاعلات.

المنظومة القيمية في المجتمع العربي: وهي تعبير عن مثاليات المجتمع العربي التي تشكل مرجعية الحكم على السلوك سياسيا كان أم غير ذلك، ولعل الفارق بين مجتمع وآخر ليس في توافر منظومة قيمية، بل في سلم القيم للمجتمع، فبعض المجتمعات تجعل من الحرية قيمتها العليا، وتخضع بقية القيم (المساواة، العدالة.. إلخ) للقيمة العليا، بينما هناك من يجعل العدالة هي القيمة العليا (كأغلب الحضارات الدينية) ليخضع لها بقية القيم.. وهكذا.
تحديد المفاهيم المركزية والمفاهيم التابعة في بنية الخطاب العربي السياسي المعاصر، وهو ما يستدعي تعيين حدود الخطاب السياسي في أدبيات المجتمع العربي.

قد يعجبك ايضا