د. ابراهيم احمد سمو
في حياة الإنسان، ليس العدو دومًا ظاهرًا، ولا المعركة دائمًا تُخاض بالسلاح. أحيانًا، العدو يسكن داخلك… صامتًا، متربصًا، يختبئ بين طيات الوقت الضائع، في تلك المساحة المهملة التي تسمى “الفراغ”.
الفراغ ليس مجرد غياب للحركة أو العمل، بل هو أرض خصبة للفكر المنفلت، وأحيانًا الشيطاني، حين لا يجد العقل ما يشغله من خيرٍ أو نفع.
عندما يعيش الإنسان بلا مسؤوليات، أو يشعر بأنه خرج من دائرة العطاء والمعاش اليومي، يبدأ الفراغ في التمدد داخله كالدخان في غرفة مغلقة. يسحب معه الطمأنينة، ويتركه في مواجهة مع ذاته، تلك المواجهة التي لا تنتهي غالبًا بالتصالح، بل بالصراع، وربما بالانهيار.
من الفراغ يتسلل الضغط النفسي، ومن الضغط يولد فكرٌ لا يطلب الحكمة، بل يطلب الخلاص. والخلاص في مثل هذه الحالات، ليس دائمًا حكيمًا، بل قد يكون هروبًا نحو المجهول، أو انجرافًا خلف وهمٍ يُباع في الشوارع بصيغة شعارات، أو وعود.
في المجتمعات غير المستقرة، يصبح الفراغ حالة عامة، تُعمّم على جيلٍ بأكمله. البطالة، غياب التخطيط، غموض المستقبل، وضعف المؤسسات… كل هذه العناصر تغذي حالة اللااستقرار وتمنحها وقودًا بشريًا من الشباب التائه، والكهول المُنهكين، والنساء المحبطات.
وحين يغيب الاستقرار، تنعدم الأولويات، وتضيع الحاجيات، ويتحول الفرد من مواطن إلى مجرد رقم في حشدٍ غاضب أو طابور طويل. يصبح أقرب إلى “فريسة”، سهل التأثير عليه من قبل أي جهة تعرف كيف توظف حاجته، خوفه، أو حتى طموحه غير المشبع.
بينما في بيئة الاستقرار، تنخفض الضغوط، وتصبح الحياة أكثر وضوحًا. الإنسان يعرف دوره، ويجد لنفسه مساحة لملء الفراغ بشيء نافع: عمل، إبداع، علم، أو حتى عبادة. لا يعود مضطرًا لمحاربة أشباح الفقر والطموح المجهول والخذلان الاجتماعي، لأنه يرى الطريق أمامه، ولو ببطء، لكنه واضح.
اللااستقرار لا يصنع فقط مشكلات سياسية أو اقتصادية، بل ينتج أشخاصًا محبطين، تائهين، فاقدين للثقة في أنفسهم وفي مجتمعهم. ولهذا نرى أن أكثر حالات الانفجار الاجتماعي، والثورات العشوائية، والتطرف، تبدأ من حيث لا يتوقع أحد: من شاب يجلس وحده في مقهى، أو عاطل يتصفح هاتفه ساعات طويلة بلا هدف.
المفارقة هنا أن الإنسان، حين يملأ وقته بشيء، حتى لو كان بسيطًا، يستطيع أن يقاوم الشبح الكامن في داخله. لكن حين يبقى الفراغ سيد الموقف، تصبح أرضه جاهزة لكل زارع، وكل زارع لا يُثمر خيرًا.
ولهذا، فإن الاستقرار لا يعني فقط نهاية الحرب، بل بداية الإنسان الجديد. أما اللااستقرار، فهو ليس مجرد اضطراب في الدولة، بل كارثة داخل كل عقل شاب لم يجد من يقول له: “امضِ، هناك طريق ينتظرك”