الكورد وبناء الدولة الفيدرالية في العراق: شراكة وطنية أم تضحيات منسية؟

أ. د. خليل مصطفى عثمان

منذ اللحظات الأولى لسقوط النظام البعثي عام 2003، لم يكن الكورد مجرد طرف متفرج على التحولات الكبرى التي شهدها العراق، بل كانوا من صانعي المشهد الجديد، وشركاء أساسيين في صياغة معالم الدولة الفيدرالية. هذه الحقيقة لا يمكن قراءتها بمعزل عن الأدوار التي اضطلع بها الكورد قبل وأثناء وبعد التغيير، بدءًا من إيواء المعارضة، ومرورًا بالمشاركة في المؤتمرات السياسية، ووصولًا إلى تثبيت أسس الدستور.

ففي سنوات ما قبل التغيير، شكّل إقليم كوردستان ملاذًا سياسيًا آمنًا لأغلب فصائل المعارضة العراقية من مختلف الأطياف القومية والمذهبية، وقد احتضنت مدن مثل أربيل والسليمانية شخصيات سياسية وإعلامية وحقوقية لعبت لاحقًا أدوارًا مهمة في المرحلة الانتقالية. وضمن هذا المناخ، جاءت مؤتمرات المعارضة، سواء في أربيل أو لندن، لتُعبّر عن توافق نادر بين القوى العراقية، لعب فيه الكورد دور الوسيط والضامن، وساعدوا في تقريب وجهات النظر بين الشيعة والسنة والعلمانيين، رغم تباعد الرؤى والأجندات.

مع بداية الحرب عام 2003، أظهرت قوات البيشمركة الكوردية استعدادًا عسكريًا عاليًا، فكانت الحليف المحلي الأبرز للقوات الأمريكية ، وساهمت في السيطرة على كركوك والموصل بأقل الخسائر الممكنة، وهو ما مكّن التحالف من التقدم دون كلفة ميدانية عالية. هذه الشراكة لم تكن وليدة لحظة عسكرية، بل كانت تعبيرًا عن نضج سياسي وتنسيق دقيق.

وبعد سقوط النظام، انخرط الكورد بفعالية في مجلس الحكم الانتقالي، وكانوا في طليعة من ساهموا في تأسيس الوزارات الأمنية والخدمية، وشاركوا في تأمين المنطقة الخضراء وحماية مقرات الدولة. كما كان لهم دور أساسي في كتابة دستور 2005، إذ أصرّوا على إدراج مبادئ الفيدرالية والاعتراف بالإقليم وحقوق القوميات، بما يضمن إطارًا قانونيًا عادلاً للدولة الجديدة.

لم يقف الدور الكوردي عند الحدود السياسية، بل امتد إلى مجالات الأمن والتنمية والإنسانية. ففي مواجهة الإرهاب بعد 2004، شكّلت قوات البيشمركة خط الدفاع الأول في الموصل وكركوك وسنجار، وأسهمت في منع تمدد الجماعات الإرهابية إلى قلب العراق. وعندما اجتاح تنظيم داعش مناطق واسعة في 2014، كانت كوردستان الحضن الإنساني الأكبر لأكثر من مليون نازح من جميع القوميات والطوائف، معظمهم من العرب السنة، قدموا إليها من الموصل وتكريت والأنبار.

كذلك، ساهم الكورد بفعالية في الانتخابات البرلمانية والحكومات المتعاقبة، وكانوا دائمًا صوتًا للتهدئة والمصالحة بين السنة والشيعة، ولعبوا أدوارًا بارزة في تقريب وجهات النظر داخل البرلمان وخارجه. أما على الصعيد الاقتصادي، فقد تحولت مدن كوردستان إلى مراكز حيوية للتجارة والاستثمار، وأسهم الإقليم في تنشيط الاقتصاد الوطني، وفتح أبوابه لرجال الأعمال من مختلف أنحاء العراق.

ولا يمكن تجاهل الدور البطولي الذي لعبته قوات البيشمركة في حرب داعش، حيث قدموا آلاف الشهداء دفاعًا عن العراق، لا عن كوردستان فقط. ولولا تضحياتهم في جبهات كركوك وسنجار ومخمور، لكانت خريطة العراق اليوم مختلفة تمامًا.

ورغم كل هذه الإسهامات، لم تقابل بغداد هذه الشراكة بروح الاعتراف الكامل، بل شهدت العلاقات بين بغداد والإقليم توترًا دائمًا، تُرجم أحيانًا في شكل خفض الميزانيات، وقطع الرواتب، وتهميش في اتخاذ القرار. وهذا ما يطرح سؤالًا وجوديًا: هل تُريد بغداد فعلاً شراكة قومية عادلة، أم أنها تتعامل مع الكورد كحالة وظيفية مرحلية، لا كشريك دستوري مستمر؟
لكي يبقى الكورد جزءًا أصيلًا من الهوية العراقية، يجب أن تتغير سياسات الدولة  تجاههم. الاعتراف بحقوقهم القومية والدستورية ليس منّة، بل هو شرط لاستقرار العراق ووحدته. إن شراكة الكورد في الدولة العراقية ليست ورقة تفاوض، بل ركيزة وطنية واجبة الحماية. فالعراق القوي لا يُبنى بالإقصاء والتهميش، بل بالعدالة والاحترام المتبادل. فقط حين يشعر الكورد بأنهم شركاء لا أتباع، يمكنهم أن ينتموا فعليًا إلى هذا الوطن الكبير.

قد يعجبك ايضا