باسل صادق قاصُّ الطفولة وراوي المدن المتحوِّلة

محمد علي محيي الدين

في المهدية، إحدى محلات الحلة العتيقة، وُلد باسل صادق محمد رضا الخواجه، يوم الرابع والعشرين من نيسان عام 1970، ليبدأ من هناك رحلته الطويلة مع الحكاية. تلك الحكاية التي لم تبدأ على الورق، بل بدأت في الأزقة والبيوت الطينية، وفي لهجة الأمهات حين يروين لأولادهن حكايا الليل، وفي دفاتر المدرسة التي لم تكتفِ بالحروف، بل كانت تمور بشيء من الخيال.
نشأ باسل في قلب مدينة تعشق الأدب وتورث الحكاية كما تورث مفاتيح البيوت، أكمل دراسته في مدارس الحلة، ثم التحق بمعهد إعداد المعلمين المركزي وتخرج فيه عام 1991. لكنه، كبعض الحالمين، لم يجد مقعدًا في المؤسسات الحكومية، فانصرف إلى الأعمال الحرة، إلا أن الحكاية لم تفارقه. كان يكتب في الهامش، في الهدوء المتاح، في جيوب الزمن المهملة، حتى صارت الحكاية مهنته الأبدية، وإن لم تعترف بها بطاقة الهوية.

أدب الطفل… نافذته إلى النقاء
لم يكن باسل صادق مجرد قاص يتقن بناء الحكاية، بل كان راويًا يرى في الطفل قارئه الأول والأصدق. كتب الشعر والمسرحية لطفولة تتضور أدبًا نقيًّا، وأصدر مجموعات حملت عناوين دافئة مثل “محمد وشهد”، ومسرحيات وقصائد مثل “هند والهدهد”، التي بقيت مخطوطة بانتظار من يعيد للطفولة بهجتها الورقية. وفي روايته “مغامرة في المدينة المتحولة”، حاكى خيال الفتيان وسرد عوالم التحول، في محاولة لتدريب القارئ الصغير على فهم تعقيدات الحياة بلغة مدهشة.
كما نشر في مجلة “ميشا” قصة من مجموعته “اللقلق المغرور”، وتجلّت قدرته على التفاعل مع الذائقة الطفولية بمرونة وصدق، متخطيًا المباشرة التعليمية إلى عوالم رمزية تنبض بالمعنى.

أصوات النقد… إشارات التقدير
لم تمر تجربة باسل صادق دون أن تثير انتباه النقاد، فقد كتب عنه الدكتور سعد الحداد في كتابه “أنطولوجيا القصة”، معترفًا به كصوت سردي له خصوصيته. كما تناوله الباحث محمد علي محيي الدين في كتاب “اتحاد أدباء وكتاب بابل: نشأته وأعضاؤه”، مشيدًا بحضوره الفاعل في الوسط الثقافي البابلي.
يعده البعض من الأصوات الهادئة ولكن الراسخة في أدب القصة القصيرة جدًا، حيث يكتب باستمرار في كروبات ملتقى الأدب الوجيز ورابطة القصة القصيرة جدًا في سوريا، متقنًا فن التكثيف والدهشة في أقل عدد ممكن من الكلمات، كما لو أنه يصوغ جواهر صغيرة من سحر الحكاية.
صوت أدبي في قلب بابل
منذ حصوله على عضوية اتحاد أدباء وكتاب بابل عام 2015، لم ينقطع باسل صادق عن أماسي الاتحاد ونشاطاته، مشاركًا، مستمعًا، وملهمًا. كما انضم إلى جمعية الرواد الثقافية المستقلة في بابل، مؤمنًا بأهمية العمل الثقافي الجماعي في زمن التشتت.

هو كاتب ينتمي إلى الجذور لا إلى الضجيج، يسير في درب القص بروح من يروّض الغبار ليكتب بالضوء، ولا يزال يحتفظ بمخطوطات تنتظر الضوء: “العشا والشواطئ”, “ورقة في الخريف”, و”أوقات الفراغ”. هذه العناوين ليست مجرد أوراق مؤجلة، بل شواطئ تنتظر أن يُبحر إليها القارئ في زمن أقلّ انشغالًا وأكثر عطشًا للصدق.
باسل صادق… الكاتب الذي لم يغادر الحكاية
هو القاص الذي لم تنل منه عواصف النشر ولا هموم التوظيف، ظلّ وفيًّا للحكاية، يكتب كما لو أنه يسقي شجرة في حديقة سرية لا يدخلها إلا من آمن بالطفولة، وبالدهشة، وببساطة السرد. ولعل ما يميّز تجربته هو هذا التوازي العجيب بين العمق والبساطة، بين همّ الكاتب ومرح الطفل، بين واقعية البيئة العراقية وروح الحلم الطفولي.
إنه صوت هادئ لا يطرق الأبواب بصخب، لكنه حين يُقرأ، يُصغي إليه القلب قبل الأذن.

قد يعجبك ايضا