محمد علي محيي الدين
في المحاويل، تلك الرقعة الخصبة من تراب بابل، حيث تتعانق بواكير الزرع مع أول الحرف، ولد محمد جودة العميدي في أول تموز عام 1955، وكأن الزمن اختاره ليكون من أوائل أبناء جيله الذين يحملون همّ الكلمة ويجوبون بها الآفاق. هناك، في صمت التربة وألق النخيل، تفتحت عيناه على مشهد ثقافي ريفي متأمل، سرعان ما نما فيه الوعي وتفتقت فيه البصيرة النقدية، فشق دربه بثقة العارف العاشق، وخرج من أطواق المحلية نحو فضاء الترجمة والنقد الأدبي، بجدارة قلّ نظيرها في المشهد العراقي الثقافي.

تلقى تعليمه في مدينته، ثم حمل زاده من الشغف إلى كلية التربية – ابن رشد، ليتخرج في قسم اللغة الإنجليزية عام 1978، ويمضي بعدها معلمًا ومثقفًا، يتنقل بين القاعات الدراسية وصفحات المجلات الثقافية، ناقلًا إرث الكلمة من ضفة إلى أخرى، وباحثًا في النصوص عن روحها الغائرة. ولم يقف عند الإنجليزية، بل تاقت روحه المتوثبة لتعلّم الألمانية، فأضافها إلى رصيده الثقافي، كما يضيف الرسام لونًا جديدًا إلى لوحته.
لم يكن العميدي ناقدًا بالمعنى التقليدي، بل كان قارئًا مغايرًا، ذا حس مرهف، يتعقب الإشارات الخفية في النصوص، ويقرأ القصيدة كما تُقرأ النبوءات القديمة. كتب عن الشعر والقصة، واهتم بالمحلي والكوني معًا، راسمًا طريقًا نقديًا يجمع بين الذائقة الأدبية والرؤية التحليلية. وقد أشاد به كثير من النقاد بوصفه أحد الأصوات التي أنصفت الأدب البابلي، واحتفت بتجلياته الحديثة، وحرصت على توثيق منجزه الشعري والنثري بعيون فاحصة ومحبة.
ولعل ما تفرّد به، هو الترجمة بوصفها رسالة ثقافية. لم تكن الترجمة عنده نقلاً آليًا أو توصيلًا لغويًا فحسب، بل كانت فعلاً إبداعيًا موازيًا، فيه يُعيد خلق النصوص بلغة عربية ناصعة دون أن يفقدها رنينها الأول. لقد نقل إلى العربية عيونًا من الأدب العالمي، كما نقل من الشعر الحلي إلى الإنجليزية، جاعلاً من أصوات الشعراء المحليين رسلًا إلى القرّاء الأجانب، ومؤكدًا أن الإبداع لا يحتاج إلى مركزية العاصمة كي يصل، بل إلى قلب مؤمن بحقيقة الفن.
يرى كثيرون من معاصريه أن العميدي كان، وما يزال، صانعًا لحراك ثقافي في مدينة كانت تئن من غياب المنابر، فساهم في تأسيس منتدى المحاويل الثقافي وجعله مرآةً تعكس حيوية المشهد الثقافي في القضاء. أقام أماسيه بانتظام، وفتح أبوابه للشعراء الشباب كما للمجربين، منحازًا إلى الكلمة الحقيقية حيثما كانت. وكان حضوره الفاعل في مهرجانات بابل الدولية، ومشاركته في مسابقات العتبة الحسينية، دليلًا على انفتاحه على جميع المساحات الثقافية، الرسمية والشعبية، الدينية والعلمانية، دون أن يفقد استقلالية فكره أو نُبل رسالته.
أما منجزه، فثمرة سنوات من التراكم المعرفي والنقدي، إذ صدرت له مجموعة من الكتب التي تُعدّ وثائق أدبية ونقدية رفيعة، منها: أوراق في الثقافة، مقالات نقدية في الشعر والقصة، قراءات نقدية في الشعر الحلي، قراءات في الشعر العراقي المعاصر، وقراءات نقدية انطباعية، وغيرها. كما ترجم مختارات قصصية وشعرية عالمية، ومن أبرز أعماله المترجمة السوسنة البرية للشاعرة الأمريكية لويز غلوك الحائزة على جائزة نوبل، وقدّمها للقارئ العربي بلغة تحمل رهافة النص الأصلي.
نقّاد عرفوه عن قرب، كالناقد الدكتور عبد الله الشكرجي، أشاروا إلى أن العميدي “يمتلك حسًا نقديًا تأمليًا، لا يخضع للموضات ولا ينجرّ وراء المجاملات، بل يكتب من موقع القارئ الواعي والمثقف العميق”. أما الشاعر عبد الزهرة زكي فقد وصفه بأنه “الناقد الذي يأخذ بيد النص دون أن يُقصي صاحبه، بل يمنحه فرصة أن ينمو من خلال الملاحظات الحانية لا القاسية”.
والعميدي ليس مجرد اسم في قائمة المترجمين والنقاد، بل هو ركيزة من ركائز الذاكرة الثقافية في بابل، وبصمة واضحة في سجل الثقافة العراقية. رجل حمل القلم ليضيء به عتمة الأماكن المنسية، وأثبت أن الإبداع لا يُصنَع في المركزيات، بل في الأرواح الكبيرة، تمامًا كما تنبت الزهرة البرية في قلب صخرة، لتعلن عن جمالٍ لا يخضع لحسابات السوق، ولا لمزاج اللحظة.