كابوس منتصف الليل ومفاجأة النهار: حين يصبح الحلم أثقل من الواقع

د. ابراهيم احمد سمو

وقف حائرًا في زاوية الوقت، يسأل نفسه: أأذهب أم لا؟ أشرب أم لا؟ ثلاث ساعات عصيبة مرّت عليه كأنها دهر، عاشها في حالة من القلق والارتباك، تحاصره أجواء ظاهرها الهدوء وباطنها يضجّ بالقلق والتوتر.

كان كل ما يتمناه أن تنتهي هذه الساعات الثلاث، أن ينقضي هذا الوقت المعلّق بين التردد والاضطرار. كان يتمنى ألا يلتقي، ولكنه مجبرٌ على اللقاء. وبعد أن انتهى اللقاء، رحلت تلك اللحظة كطيفٍ ثقيل، وتركته غارقًا في يوم مثقل، وساعات أكثر قسوة من الانتظار.

لكنه كان مضطرًا لأن يتحمّل، أن يصبر أكثر، أن يضيف على صدره ساعات أخرى، فقط “من أجل عينٍ تكرم”، فقط “من أجل عينٍ يُغفر لها الكثير من العيوب”. كان هذا هو المبرر الوحيد لبقائه في هذا التناقض بين الرغبة والواجب.

في خضم هذا التوتر، نسي أمر العشاء، ولم يتذكّر إلا متأخرًا، حين كانت ساعة النوم قد اقتربت. تناول وجبة ثقيلة، وقيل قديمًا: من أكل متأخرًا، بقي العشاء عالقًا في معدته، حاملاً له نوبات من الأحلام المضطربة والكوابيس المقلقة.

وكان كابوس هذه الليلة من النوع الذي يأخذ صاحبه إلى حافة الهلاك. تقلب في نومه يمنة ويسرة، حركاته مضطربة، ووجهه يحمل ملامح صراع داخلي. فجأة، أطلق صرخة قوية:
“لن أذهب! لن أذهب! لا أريد أن أذهب!”

نهض الجميع من الغرف المجاورة، أسرعوا إليه مذعورين. وجدوه يتصبب عرقًا، وجهه شاحب، أنفاسه متقطعة. ناولوه الماء، استغفر، وتمتم:
أي كابوس هذا؟

رفع رأسه، فوجد أحبابه من حوله، يحيطونه بحنانٍ وقلق. شدّوا على يديه، فحمد الله أنه ما زال بينهم. غسّل وجهه، توضأ، وصلى الفجر بدموع مرتجفة. ثم استلقى، وغرق في نومٍ عميقٍ لم يعرفه من قبل، نومٍ صافٍ هادئ، بلا كوابيس، بلا قلق.

استيقظ على صوت ابنه:
هيا يا بابا، الغداء جاهز، والجميع بانتظارك!

بعد دوشٍ منعش وتبديل ملابسه، نزل إلى المطبخ فوجد الجميع في استقباله، يهتفون ويضحكون. غنّوا له، امتنانًا لتعبه وسعيه، ووفاءً لجهده الكبير في أن يعيش أبناؤه في عز وأمان.

ابتسم الرجل، وامتلأ قلبه بالفرح. لكنه في داخله، كان يخاف من أن يعود الليل. كان يتمنى لو كانت كل أيامه نهارات ؛بلا كوابيس، بلا هواجس.

وبينما كان يجلس في الصالة قبل المساء، يتابع الأخبار، بدا الجو أكثر من رائع في الحديقة الصغيرة للمنزل. لكنه أحسّ بحركة غير طبيعية في المكان. لم ينتبه كثيرًا، لأن أبناءه كانوا حريصين على إشغاله بمتابعة الأخبار، ريثما يُتمّون مفاجأتهم الصغيرة.

كانوا يعرفون أن أباهم يتعب كثيرًا، وكانوا يخشون أن ينام قبل أن يُتمّوا تجهيز المفاجأة، خوفًا من أن تثقل عليه الوجبة أو يفسد النوم تفاصيل سعادتهم.

وقفت زوجته أمامه وقالت بلطف:
العيال لديهم مفاجأة لك…

خرج الأب من الصالة، إلى الحديقة، ليجد الجميع يهتفون باسمه، وتعلو أصوات أغنية عيد الميلاد.
كل فرد منهم قبّله، وقدم له هدية حسب استطاعته.

ضحكوا كثيرًا.
وبكى الوالد بصمتٍ جميل.
بكى وهو يغمض عينيه، كأنما يغسل بقلبه تعب سنين طويلة.

وفي تلك الليلة، نام الرجل…
نومًا هادئًا، بلا كوابيس، بلا نداءات مذعورة، بلا قلق.

نسي كل شيء عن كابوس الليلة الماضية.
نسي الخوف، التردد، الحيرة.
وبقيت في قلبه فقط لحظة الامتنان، وصورة الأحباب وهم يغنون له في حضن حديقة صغيرة… لكن دافئة كقلبه

قد يعجبك ايضا