أحمد الحسيني شاعر يكتب ليحاكم لا ليصمت

محمد علي محيي الدين

ليس في السجون وحدها يُكمم الفم، فثمة أوطان تتحوّل فيها الكلمات إلى جمرات، والسكون إلى خيانة. في هذا المناخ الثقيل بالخذلان، نشأ أحمد الحسيني، الشاعر والإعلامي الذي قرر أن يكون صوته سلاحه، وأن تكون قصيدته محكمة، وسطره مذكرة اتهام.
من مدينة الحلة، المبتلاة بجمالها وتاريخها، خرج أحمد إلى الحياة عام 1978، محمّلًا بحساسية الكائن الذي وُلد ليكتب. درس علوم الحياة، وكأنّ قدَرَه أن يغوص في كيمياء الجسد، لكنه اختار أن يغوص في كيمياء الروح. فالأدب، كما يقول، كان الميل الأول، والملاذ الأعمق.

مارس الإعلام كما يمارس الشعر: بصدقٍ ورغبة في التأثير. عمل مذيعًا ومقدّم برامج في عدد من الإذاعات المحلية، لكنّ صوته لم يرضَ بأن يُختصر في المايكروفون، بل راح يكتب — منذ أيام الثانوية — ليُسمِع العالم صراخ الروح المحاصرة.
أحمد الحسيني شاعر سريالي لا لأنّه هارب من الواقع، بل لأنه قرر أن يطعن هذا الواقع بالمجاز. في شعره، تتداخل صور الحرب والمنفى، في مشهدٍ عبثيّ لا يخلو من الأمل ولا من المرارة. نصوصه مشحونة برمزية موجعة، حيث الإنسان ضحية دائمة، والساسة جلادون بلا وجوه.
لم تكن الصحف سوى امتداد لصوته الرقمي. بدأ من مواقع التواصل، تلك التي منحت الشعراء أجنحة، ثم نشر في صحف ثقافية معروفة، كجريدة “الصباح” وصحيفة “أوراق” الصادرة عن وزارة الثقافة، ليؤكد أن صوته ليس عابرًا ولا عارضًا، بل حاجة في زمن البكم العام.
صدرت له مجموعة شعرية بعنوان “قضية 2023″، عنوانٌ يستفز المخيّلة ويشي بنبرة احتجاج. وقد حملت هذه المجموعة بذور تجربته كاملة: الغضب، الجمال، الإدانة، والنجاة بالكلمة. لم تكن أمسياته الشعرية في العراق مجرد مشاركة في مهرجانات، بل كانت مواجهات حيّة بين الشاعر وظلّه، بين القصيدة والخذلان الجمعي.
واليوم، يمضي الحسيني في مغامرته الإبداعية، وهو يكتب روايته الأولى “رؤوس بالمجان”، عنوان آخر مثقل بالدلالة، عملٌ سردي يتقاطع مع مناخاته الشعرية، ويحاول أن يلتقط فيه صوت الإنسان المهمَّش في وطنٍ صار شبيهًا بسجنٍ لا أبواب له ولا نوافذ.
يقول: “أكتب كي لا أختنق، وأحاكم الذين شوّهوا الوطن بالكلمة لا بالرصاص”.
ولعلّ هذه العبارة وحدها تختصر مشروع أحمد الحسيني كله: شاعر لا يطلب ثأرًا شخصيًا، بل عدالة للوجع العام؛ رجل يثق أن القصيدة قد لا تقتل الطغاة، لكنها تكشفهم، وتعري خيانتهم على الملأ. إنه شاعر لا يكتب من برجٍ عاجي، بل من قلب الندبة، ومن فمٍ لا يريد أن يصمت.
من شعره قصيدة “سنوات عجاف” في هذه القصيدة، ينسج الشاعر أحمد الحسيني مشهدًا شعريًا مشبعًا بالحزن النبيل، إذ يستعرض سيرة الفقد والفقر والخذلان العراقي بلغة مشحونة بالرمز والمأساة.
الجدّة هنا تمثل الجيل المؤمن، الفقير، المُضحّي، الذي لا يملك شيئًا سوى “الله وصورة لعلي”، لكنها تقدم أولادها قرابين للحرب.
الأم تواصل هذا الخط، تستقبل الفقر وتكرمه، فيما يبقى “الله وعلي” رمزين للثبات الروحي والمقاومة الأخلاقية.
الأب، وهو المعلّم، يتكسّر في مواجهة واقع لا يحترم لا التعليم ولا النبوة ولا الكرامة، فينتهي مكسورًا وأعمى.
القصيدة تختصر تاريخًا من المصائب المتراكبة، وتكشف بلغة بسيطة ومؤثرة عن خيبات مجتمع بكامله، عاش الحروب والحصار والفقر، وواجهه بالشرف والمروءة والصبر، لكنه خرج من التجربة مثقَلًا بالخذلان.
إنها مرثية لجيل عراقي كامل، كتبت بنَفَس شعري يقترب من النثر، لكنه لا يخلو من الجمال والصدق والرمزية العميقة.
نص القصيدة
المصائب لَا تَأتِي فُرَادَى
وَجدتِي تَراهُم ضيوفاً
مِن ربٍّ كريم
ولأنَّهَا لَا تَملِك سِوى اَللَّه
وَصُورَة لِعَلي
قدَّمتْ أوْلادهَا
قَرابِين لِلْحرْب
قَبْل أن تَمُوت
أخبرت أمي ألّا ترد سائلا
فِي التِّسْعين مِن القرْن المنْصرم زارنَا الفقْر كمصيبة أكْرمَتْه أَمي بِكلِّ مَا فِي البيْتِ إِلَّا اَللَّه وَعلِي
بَقِي اَللَّه فَوْق رُؤوسِنَا لِنقول اَلحَق
وَعلَي يُمْسِك سَيفُه كَحارِس لَنَا
السَّنوات العجَاف كَانَت تَسُد رمق المصائب بِنَا
تَقَدمنَا لِلْمفخَّخات أَطبَاقاً دَسمَة
جَاهِزة لِلْمضْغ
أَمَّا أَبِي فقد كان مُعَلِّما
أُحيل على التَّقاعد
ولأنَّه لَمٌّ يَكُن نبيًّا
ولَا يَملِك قطيعًا مِن الأغْنام
كسَر عصاه
وَصَار أَعمَى حَتَّى زَارَه الموْتُ

قد يعجبك ايضا